(ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِسُخْطِهِمْ لِقَضَائِكَ أَوْ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ، أَوْ بِجَمِيعِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي.
(جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) بِالْإِخْلَاصِ، وَاعْتَذَرُوا إِلَيْكَ.
(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) أَيْ: شَفَعَ لَهُمُ الرَّسُولُ فِي غُفْرَانِ ذُنُوبِهِمْ.
وَالْعَامِلُ في (إذ) (جَاءُوك) وَالْتَفَتَ فِي قَوْلِهِ: (وَاسْتَغْفَرَ لهم الرسول) ولم يجئ عَلَى ضَمِيرِ الْخِطَابِ فِي (جَاءُوك) تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الرَّسُولِ، وَتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفَارِهِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ شَفَاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَكَانٍ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ الشَّرِيفَ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّاهُ مُوجِبٌ لِطَاعَتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)
وَمَعْنَى (وَجَدُوا) عَلِمُوا، أَيْ: بِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ قَبِلَ توبتهم ورحمهم.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ بعد ما دَفَنَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى قَبْرِهِ وَحَثَا مِنْ تُرَابِهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ فِي التُّرْبِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
ثُمَّ قَالَ: قَدْ قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَمِعْنَا قَوْلَكَ، وَوَعَيْتَ عَنِ اللَّهِ فَوَعَيْنَا عَنْكَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم جَاءُوك) الْآيَة، وَقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَجِئْتُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبِي، فَاسْتَغْفِرْ لِي مِنْ رَبِّي، فَنُودِيَ مِنَ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَكَ [1] .
[1] رد بعض أهل العلم هذه القصة، والله أعلم.