وَالشَّعَائِرُ جَمَعَ شَعِيرَةٍ أَوْ شَعَارَةٍ، أَيْ: قَدْ أَشْعَرَ اللَّهُ أَنَّهَا حَدُّهُ وَطَاعَتُهُ، فَهِيَ بِمَعْنَى مَعَالِمِ اللَّهِ.
قَالَ الْحَسَنُ: دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ يَعْنِي شَرَائِعَهُ الَّتِي حَدَّهَا لِعِبَادِهِ، فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ تَكَالِيفِهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ مَا أُشْعِرَ أَيْ جُعِلَ إِشْعَارًا وَعَلَمًا لِلنُّسُكِ مِنْ مَوَاقِفِ الْحَجِّ وَمَرَامِي الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ عَلَامَاتُ الْحَاجِّ يَعْرِفُ بِهَا مِنَ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ وَالنَّحْرِ انْتَهَى.
(وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ)
الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُفْرَدٌ مَعْهُودٌ. فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ شَهْرُ الْحَجِّ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُوَ ذُو الْقَعْدَةِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَوَّلَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: رَجَبٌ. وَيُضَافُ إِلَى مُضَرَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحَرِّمُ فِيهِ الْقِتَالَ وَتُعَظِّمُهُ، وَتُزِيلُ فِيهِ السِّلَاحَ وَالْأَسِنَّةَ مِنَ الرِّمَاحِ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ مُجْمِعَةً عَلَى تَعْظِيمِ ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ، وَمُخْتَلِفَةً فِي رَجَبٍ، فَشَدَّدَ تَعَالَى أَمْرَهُ. فَهَذَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِهِ.
وَقِيلَ: الشَّهْرُ مُفْرَدٌ مُحَلَّى بِأَلِ الْجِنْسِيَّةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ عُمُومُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَهِيَ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ.
وَالْمَعْنَى: لَا تُحِلُّوا بِقِتَالٍ وَلَا غَارَةٍ وَلَا نَهْبٍ.
(وَلَا الْهَدْيَ)
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْهَدْيَ مَا هُدِيَ مِنَ النَّعَمِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَقُصِدَ بِهِ الْقُرْبَةُ، فَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ لَا يُسْتَحَلَّ، وَلَا يَغَارَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ مَوْجُودٌ.
قِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ نَاقَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَغَيْرِهَا مِنَ الذَّبَائِحِ وَالصَّدَقَاتِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَمِنْهُ
فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ «كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً»
فَسَمَّى هَذِهِ هَدْيًا.
وَقِيلَ: الشَّعَائِرُ الْبُدْنُ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَالْهَدْيُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ مَا أُهْدِيَ.
وَقِيلَ: الشَّعَائِرُ مَا كَانَ مُشْعَرًا بِإِسَالَةِ الدَّمِ مِنْ سَنَامِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعَلَائِمِ، وَالْهَدْيُ مَا لَمْ يُشْعَرِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّقْلِيدِ.
وَقَالَ مَنْ فَسَّرَ الشَّعَائِرَ بِالْمَنَاسِكِ، ذَكَرَ الْهَدْيَ تَنْبِيهًا عَلَى تَفْصِيلِهَا.
(وَلَا الْقَلائِدَ)
الْقَلَائِدُ: هِيَ مَا كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ بِهِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ، فَنُهِيَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَنْ أَخْذِ الْقَلَائِدِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعَضَدُ شَجَرُهَا» .
وَقَالَ الجمهور: الْقَلَائِدُ مَا كَانُوا يَتَقَلَّدُونَهُ مِنَ السَّمَرِ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْحَجِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ حَجَّةٍ.
وَقِيلَ: أَوْ مَا يُقَلَّدُهُ الْحَرَمِيُّ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَرَمِيٌّ، فَنَهَى تَعَالَى عَنِ اسْتِحْلَالِ مَنْ يُحْرِمُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ.
وَقِيلَ: أَرَادَ الْقَلَائِدَ نَفْسَهَا فَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلَائِدِ الْهَدْيِ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، أَيْ: لَا تُحِلُّوا قَلَائِدَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَحِلُّوهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) نَهَى عَنْ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنْ إِبْدَاءِ مَوَاقِعَهَا.
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ)
أَيْ: وَلَا تُحِلُّوا قَوْمًا قَاصِدِينَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَهُمُ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِحْلَالُ هَذِهِ أَيْ: يُتَهَاوَنُ بِحُرْمَةِ الشَّعَائِرِ، وَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَنَسِّكِينَ وَأَنْ يُحْدِثُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَا يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنِ الْحَجِّ، وَأَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْهَدْيِ بِالْغَصْبِ أَوْ بِالْمَنْعِ مِنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ.
(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا)
وَفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْفَضْلَ بِالثَّوَابِ.
وَقِيلَ: الْفَضْلُ التِّجَارَةُ وَالْأَرْبَاحُ فِيهَا.
وَقِيلَ: الزِّيَادَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ يَبْتَغُونَ رَجَاءَ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا.
وَأَمَّا الرِّضْوَانُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْصِدُونَهُ وَإِنْ كَانُوا لَا يَنَالُونَهُ، وَابْتِغَاءُ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ تَوْزِيعٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَبْتَغِي التِّجَارَةَ إِذْ لَا يَعْتَقِدُ مَعَادًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَغِي الرِّضْوَانَ بِالْحَجِّ إِذْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ الْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنَّهُ يُبْعَثُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُ رِضْوَانُ الله، فأخبر بذلك على بناء ظَنِّهِ.
وَقِيلَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ، فَابْتِغَاءُ الْفَضْلِ مِنْهُمَا، وَابْتِغَاءُ الرِّضْوَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَنْ يُصْلِحَ مَعَايِشَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْفَضْلُ وَالرِّضْوَانُ فِي الْآيَةِ في مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلُهُ بِالرَّحْمَةِ. نَهَى تَعَالَى أَنْ يُتَعَرَّضَ لِقَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ وَاسْتِنْكَارًا أَنْ يُتَعَرَّضَ لِمِثْلِهِمْ.
(فائدة)
وَفِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمُ اسْتِئْلَافٌ لِلْعَرَبِ وَلُطْفٌ بِهِمْ وَتَنْشِيطٌ لِوُرُودِ الْمَوْسِمِ، وَفِي الْمَوْسِمِ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ، وَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَيُرْجَى دُخُولُهُمْ فِي الْإِيمَانِ كَالَّذِي كَانَ.
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَامَ الْفَتْحِ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهَا فِي حَقِّ مُسْلِمٍ حَاجٍّ فَهُوَ مُحْكَمٌ، أَوْ فِي حَقِّ كَافِرٍ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدَ عَامِ سَنَةِ تِسْعٍ، إِذْ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ. وَقَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي مَيْسَرَةَ: لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ، قَوْلٌ مَرْجُوحٌ.