(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ)
قِيلَ: هَذَا تَفْصِيلٌ بَعْدَ إِجْمَالٍ.
وَقِيلَ: اسْتِئْنَافُ تَشْرِيعٍ بَيَّنَ فِيهِ فَسَادَ تَحْرِيمِ لُحُومِ السَّوَائِبِ، وَالْوَصَائِلِ، وَالْبَحَائِرِ، وَالْحَوَامِّ، وَأَنَّهَا حَلَالٌ لَهُمْ.
وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ مِنْ بَابِ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى جِنْسِهِ فَهُوَ بِمَعْنَى مِنْ، لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ أَعَمُّ، فَأُضِيفَتْ إِلَى أَخَصٍّ. فَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ كُلُّهَا وَهِيَ الثَّمَانِيَةُ الْأَزْوَاجِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ قتيبة: هي الإبل، والبقرة، وَالْغَنَمُ، وَالْوُحُوشُ كُلُّهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ وَالْفَرَّاءُ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَحْشِيُّهَا كَالظِّبَاءِ، وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِهِ. وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا يُمَاثِلُ الْأَنْعَامَ وَيُدَانِيهَا مِنْ جِنْسِ الْأَنْعَامِ الْبَهَائِمِ، وَالْأَضْرَارِ وَعَدَمِ الْأَنْيَابِ، فَأُضِيفَتْ إِلَى الْأَنْعَامِ لِمُلَابَسَةِ الشَّبَهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَدْلُولِ لَفْظِ الْأَنْعَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الْأَجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ ذَبْحِ أُمَّهَاتِهَا فَتُؤْكَلُ دُونَ ذَكَاةٍ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ.
وَقِيلَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الَّتِي تَرْعَى مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَكَانَ الْمُفْتَرِسُ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْأَسَدِ وَكُلُّ ذِي نَابٍ قَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْإِبْهَامِ فَصَارَ لَهُ نَظَرٌ مَا.
(إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ)
هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ تَحْرِيمُهُ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَمَعْنَى يُتْلَى عَلَيْكُمْ يُقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْهُ «كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ» .
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ.
وَقِيلَ: يَحْكُمُ فِيمَا خَلَقَ بِمَا يُرِيدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَاءَتْ مُقَوِّيَةً لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَعْهُودِ أَحْكَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْأَمْرِ بِإِيفَاءِ الْعُقُودِ وَتَحْلِيلِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْهَا مَا يُتْلَى تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إِلَّا فِي اضْطِرَارٍ، وَاسْتِثْنَاءِ الصَّيْدِ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ، وَتَضَمُّنِ ذَلِكَ حِلَّهُ لِغَيْرِ الْمُحَرَّمِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) .
فَمُوجِبُ الْحُكْمِ وَالتَّكْلِيفِ هُوَ إِرَادَتُهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، لَا مَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ.