فهرس الكتاب

الصفحة 3081 من 4059

{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ(135)فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ(136)}

فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَهُوَ فَدَعَا مُوسَى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ، وَأَسْنَدَ تَعَالَى الْكَشْفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَاشِفُ حَقِيقَةً فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْنَدُوهُ إِلَى مُوسَى وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ، وَلَمَّا كَانَ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَسْنَدَهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ.

وَلَمَّا كَانَ الرِّجْزُ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهُمْ حَسُنَ إِظْهَارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ.

وَمَعْنَى (إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ) إِلَى حَدٍّ مِنَ الزَّمَانِ هُمْ بَالِغُوهُ لَا مَحَالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لَا يَنْفَعُهُمْ مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ مِنَ الْإِمْهَالِ وَكَشْفِ الْعَذَابِ إِلَى حُلُولِهِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْمَوْتِ هَذَا اللَّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَمَا تَقُولُ أَخَّرْتُ كَذَا إِلَى وَقْتِ كَذَا وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ وَقْتًا بِعَيْنِهِ.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ: الْأَجَلُ هَاهُنَا الْغَرَقُ قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّهُ رَأَى جُمْهُورَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أَنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْإِشَارَةَ هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ فِي الْغَرَقِ وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْغَرَقِ عَالِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ أُخِّرَ وَكَشَفَ الْعَذَابَ عَنْهُمْ إِلَى أَجَلٍ بَلَغَهُ انْتَهَى.

وَفِي التَّحْرِيرِ إِلى أَجَلٍ إِلَى انْقِضَاءِ مدة إهمالهم وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِإِيمَانِهِمْ.

وَقِيلَ: الْغَرَقُ.

وَقِيلَ: الْمَوْتُ، وَإِذَا فُسِّرَ الْأَجَلُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْغَرَقِ فَلَا يَصِحُّ كَشْفُ الْعَذَابِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ وَقْتِ حُصُولِ الْمَوْتِ أَوِ الْغَرَقِ لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْكَشْفِ وَالْغَرَقِ أَوِ الْمَوْتُ زَمَانٌ وَهُوَ زَمَانُ النَّكْثِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا إِلَى أَقْرَبِ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الْأَجَلُ هُوَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِإِيمَانِهِمْ وَإِرْسَالِهِمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى حذف مضاف.

وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ (إِلى أَجَلٍ) مِنْ تَمَامِ الرِّجْزِ أَيِ الرِّجْزُ كَائِنًا إِلَى أَجَلٍ.

وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَذَابَ كَانَ مُؤَجَّلًا وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ كَوْنُ جَوَابِ لَمَّا جَاءَ بِإِذَا الْفُجَائِيَّةِ أَيْ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ الْمُقَرَّرَ عَلَيْهِمْ إِلَى أجل فاجأوا بِالنَّكْثِ وَعَلَى مَعْنَى تَغْيِيَتِهِ الْكَشْفَ بِالْأَجَلِ الْمَبْلُوغِ لَا تَتَأَتَّى الْمُفَاجَأَةُ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْكَشْفِ بِالِاسْتِمْرَارِ الْمُغَيَّا، فَتَكُونُ الْمُفَاجَأَةُ بِالنَّكْثِ إِذْ ذَاكَ مُمْكِنَةً.

(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ)

أَيْ أَحْلَلْنَا بِهِمُ النِّقْمَةَ وَهِيَ ضِدُّ النِّعْمَةِ فَإِنْ كَانَ الِانْتِقَامُ هُوَ الْإِغْرَاقُ فَتَكُونُ الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةً وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْفَاءِ وَإِلَّا كَانَ الْمَعْنَى فَأَرَدْنَا الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ.

وَالْبَاءُ فِي (بِأَنَّهُمْ) سَبَبِيَّةٌ. وَالْآيَاتُ هِيَ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ

وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي (عَنْها) إِلَى الْآيَاتِ أَيْ غَفَلُوا عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ مِنَ الْهُدَى وَالنَّجَاةِ وَمَا فَكَّرُوا فِيهَا وَتِلْكَ الْغَفْلَةُ هِيَ سَبَبُ التَّكْذِيبِ.

وَقِيلَ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى النِّقْمَةِ الدَّالِّ عَلَيْهَا (فَانْتَقَمْنا) أَيْ كَانُوا عَنِ النِّقْمَةِ وَحُلُولِهَا بِهِمْ غَافِلِينَ.

وَالْغَفْلَةُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُنِيَ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ عَنْهُ وَالتَّكْذِيبَ لَا يَجْتَمِعَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغَفْلَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِالشَّيْءِ وَالتَّكْذِيبُ بِهِ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صِفَةُ الْغَفْلَةِ لَكَانُوا مَعْذُورِينَ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت