(وَأَنْ أَقِمْ)
يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وَأُمِرْتُ) مُرَاعًى فِيهَا الْمَعْنَى. لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ (أَنْ أَكُونَ) كُنْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أَنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُهَا الْأَمْرُ.
وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا فِي صِلَتِهَا مَا الْتُزِمَ فِي صِلَاتِ الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُولَةِ مِنْ كَوْنِهَا لَا تَكُونُ إِلَّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي النَّحْوِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ: وَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَقِمْ، فَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْمُقَدَّرَةَ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ وَإِضْمَارُ الْفِعْلِ أَوْلَى، لِيَزُولَ قَلَقُ الْعَطْفِ لِوُجُودِ الْكَافِ، إِذْ لَوْ كَانَ وَأَنْ أَقِمْ عَطْفًا عَلَى أَنْ أَكُونَ، لَكَانَ التَّرْكِيبُ وَجْهِي بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمَ وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى فِيهِ ضَعْفٌ، وَإِضْمَارُ الْفِعْلِ أَكْثَرُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْعَطْفِ عَلَى الْمَعْنَى. وَالْوَجْهُ هُنَا الْمَنْحَى، وَالْمَقْصِدُ أَيِ:
اسْتَقِمْ لِلدِّينِ وَلَا تَحِدْ عَنْهُ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى طَلَبِ الدِّينِ.
و (حنيفا) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَقِمْ، أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ.
وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الدِّينِ، وَلَا تَدْعُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ نَهْيٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى أَقِمْ، فَيَكُونُ فِي حَيِّزِ أَنْ عَلَى قِسْمَيْهَا مِنْ كَوْنِهَا مَصْدَرِيَّةً، وَكَوْنِهَا حَرْفَ تَفْسِيرٍ. وَإِذَا كَانَ دُعَاءُ الْأَصْنَامِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَأَحْرَى أَنْ يُنْهَى عَنْ عِبَادَتِهَا، فَإِنْ فَعَلْتَ كَنَّى بِالْفِعْلِ عَنِ الدُّعَاءِ إِيجَازًا أَيْ: فَإِنْ دَعَوْتَ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ.
وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَإِنَّكَ) وَخَبَرُهَا، وَتَوَسَّطَتْ إِذَا بين اسْمِ إِنَّ وَالْخَبَرِ، وَرُتْبَتُهَا بَعْدَ الْخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ الْفَاصِلَةُ.
قَالَ الْحَوْفِيُّ: الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَإِذَا مُتَوَسِّطَةٌ لَا عَمَلَ لَهَا يُرَادُ بِهَا فِي هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ هَذَا تَفْسِيرُ، الْمَعْنَى لَا يَجِيءُ عَلَى مَعْنَى الْجَوَابِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِذَا جَوَابُ الشَّرْطِ، وَجَوَابٌ لِجَوَابٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنْ تَبِعَةِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَجُعِلَ مِنَ الظَّالِمِينَ لِأَنَّهُ لَا ظُلْمَ أَعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ فِي إِذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ فِيهَا مُشْبَعًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.