فهرس الكتاب
الظَّاهِرُ أَنَّ إِتْيَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ كِنَايَةٌ عَنْ وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ لَهُ وَالْجِدِّ فِي إِضْلَالِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجِهَاتُ يَأْتِي مِنْهَا الْعَدُوُّ غَالِبًا ذَكَرَهَا لَا أَنَّهُ يَأْتِي مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ حَقِيقَةً.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الْآخِرَةُ أُشَكِّكُهُمْ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا بَعْثَ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الدُّنْيَا أُرَغِّبُهُمْ فِيهَا وَزَيَّنَهَا لَهُمْ.
وَعَنْهُ أَيْضًا وَعَنِ النَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَكْسُ هَذَا، وعنه وَعَنْ أَيْمانِهِمْ الْحَقُّ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ الْبَاطِلُ وَعَنْهُ أَيْضًا: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ الْحَسَنَاتُ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ السَّيِّئَاتُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّلَانِ حَيْثُ يُنْصَرُونَ وَالْآخَرَانِ حَيْثُ لَا يُنْصَرُونَ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْأَوَّلَانِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَالْآخَرَانِ الْآخِرَةُ وَالدُّنْيَا.
وَقِيلَ: الْأَوَّلَانِ بِفُسْحَةِ الْأَمَلِ وَبِنِسْيَانِ الْأَجَلِ وَالْآخَرَانِ فِيمَا تَيَسَّرَ وَفِيمَا تَعَسَّرَ.
وَقِيلَ الْأَوَّلَانِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ فَلَا يُطِيعُونَ وَفِيمَا مَضَى مِنْهَا فَلَا يَنْدَمُونَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَالْآخَرَانِ فِيمَا مَلَكَتْهُ أَيْمَانُهُمْ فَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي مَعْرُوفٍ وَمِنْ قَبْلِ فَقْرِهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَحْظُورٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقِهِمْ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ تَحْتِهِمْ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ مِنْ تَحْتِهِمْ فِيهِ تَوَحُّشٌ.
وَأَقُولُ إِنَّمَا خَصَّ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْخَلْفِ بِحَرْفِ الِابْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ أَمْكَنُ فِي الْإِتْيَانِ لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ مَا يَجِيءُ الْعَدُوُّ منهما فَيَنَالُ فُرْصَتَهُ وَقَدَّمَ بَيْنَ الْأَيْدِي عَلَى الْخَلْفِ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِقَدَامِ الْعَدُوِّ وَبَسَالَتِهِ فِي مُوَاجَهَةِ قِرْنِهِ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْهُ
وَالْخَلْفُ مِنْ جِهَةٍ غَدْرٌ وَمُخَاتَلَةٌ وَجَهَالَةُ الْقِرْنِ بِمَنْ يَغْتَالُهُ وَيَتَطَلَّبُ غِرَّتَهُ وَغَفْلَتَهُ، وَخَصَّ الْأَيْمَانَ وَالشَّمَائِلَ الْحَرْفَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُجَاوَزَةِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِأَغْلَبِ مَا يَأْتِي مِنْهُمَا الْعَدُوُّ وَإِنَّمَا يَتَجَاوَزُ إِتْيَانُهُ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَبُ فِي ذَلِكَ، وَقُدِّمَتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الشَّمَائِلِ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي هِيَ الْقَوِيَّةُ فِي مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ، وَبِالْأَيْمَانِ الْبَطْشُ وَالدَّفْعُ فَالْقِرْنُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جِهَتِهَا أَبْسَلُ وَأَشْجَعُ إِذْ جَاءَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى فِي الدَّفْعِ وَالشَّمَائِلُ جِهَةٌ لَيْسَتْ فِي الْقُوَّةِ وَالدَّفْعِ كَالْأَيْمَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (شَاكِرِينَ) مُوَحِّدِينَ وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ إِلَّا بِأَنْ يُؤْمِنَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ثَابِتِينَ عَلَى طَاعَتِكَ وَلَا يَشْكُرُكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي خَبَرِ الْقَسَمِ مَعْطُوفَةً عَلَى جَوَابِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ أَخْبَرَ أَنَّ سِعَايَتَهُ وَإِتْيَانَهُ إِيَّاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الوجوه يفعل ذلك وهو هَذَا الْإِخْبَارُ مِنْهُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّظَنِّي لِقَوْلِهِ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ.
وَسَبِيلُ الْعِلْمِ إِمَّا رُؤْيَتُهُ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُمْ أَوْ بِقَوْلِهِمْ (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) أَوْ بِإِغْوَاءِ آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ أَضْعَفُ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ قُوَى ابْنِ آدَمَ تِسْعَةَ عَشَرَ قُوَّةً وَهِيَ خَمْسُ حَوَاسٍّ ظَاهِرَةٍ وَخَمْسٌ بَاطِنَةٌ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ، وَسَبْعٌ سَابِقَةٌ وَهِيَ الْجَاذِبَةُ وَالْمُمْسِكَةُ وَالْهَاضِمَةُ وَالدَّافِعَةُ وَالْقَاذِفَةُ وَالنَّامِيَةُ وَالْمُوَلِّدَةُ وَكُلُّهَا تَدْعُو إِلَى عَالَمِ الْجِسْمِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْعَقْلُ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ تَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ وَالْعَقْلُ إِذْ ذَاكَ ضَعِيفٌ. أَقْوَالٌ سِتَّةٌ.