وَلَمَّا كَانُوا مُتَوَعَّدِينَ بِالْعَذَابِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، وَكَانُوا مُكَذِّبِينَ بِمَا أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، سَأَلُوا وَاسْتَعْجَلُوا فِي الطَّلَبِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ كَمَا قَالُوا: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً) وَقَالُوا: (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّيِّئَةُ الْعَذَابُ، وَالْحَسَنَةُ الْعَافِيَةُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالشَّرِّ قَبْلَ الْخَيْرِ.
وَقِيلَ: بِالْبَلَاءِ وَالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ.
(وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ)
أَيْ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَا حَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِنْ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سُخْفِ عُقُولِهِمْ، إِذْ يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ. وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ تَعْذِيبُ أَمْثَالِهِمْ لَكَانُوا رُبَّمَا يَكُونُ لَهُمْ عُذْرٌ، وَلَكِنَّهُمْ لا يعتبرون فيستهزؤون.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الْمَثُلَاتُ) الْعُقُوبَاتُ الْمُسْتَأْصِلَاتُ، كَمَثُلَاتِ قَطْعِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَنَحْوِهِمَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: النَّقِمَاتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقَائِعُ اللَّهِ الْفَاضِحَةُ، كَمَسْخِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ التَّاءِ، وَمُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ بِفَتْحِهِمَا.
وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَيْرٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَأَبُو بَكْرٍ: بِضَمِّهِمَا، وَابْنُ وَثَّابٍ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الثَّاءِ، وَابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الثاء.
و (لذو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) ترجية للغفران، و (على ظُلْمِهِمْ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِاكْتِسَابِ الذُّنُوبِ أَيْ: ظَالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ في القرآن آية أرجى مِنْ هَذِهِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لِيَغْفِرَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى وَقَوْمٌ: لِيَغْفِرَ لَهُمُ الظُّلْمَ السَّالِفَ بِتَوْبَتِهِمْ فِي الْآنِفِ.
وَقِيلَ: لِيَغْفِرَ السَّيِّئَاتِ الصَّغِيرَةَ لمجتنب الكبائر.
وَقِيلَ: لِيَغْفِرَ لَهُمْ بِسَتْرِهِ وَإِمْهَالِهِ، فَلَا يُعَجِّلُ لَهُمُ الْعَذَابَ مَعَ تَعْجِيلِهِمْ بِالْمَعْصِيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ هُنَا هُوَ سَتْرُهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِمْهَالُهُ لِلْكَفَرَةِ.
أَلَا تَرَى التَّيْسِيرَ فِي لَفْظِ (مَغْفِرَةٍ) وَأَنَّهَا مُنْكَرَةٌ [مُقَلَّلَةٌ] وَلَيْسَ فِيهَا مُبَالَغَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ) وَمَحَطُّ الْآيَةِ يُعْطِي هَذَا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِالنَّارِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) فَلَمَّا ظَهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وَجَبَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ تَعْذِيبُهُمْ، فَأَخْبَرَ بِسِيرَتِهِ فِي الْأُمَمِ، وَأَنَّهُ يُمْهِلُ مَعَ ظلم الكفرة انتهى.
و (لشديد الْعِقَابِ) تَخْوِيفٌ وَارْتِقَابٌ بَعْدَ تَرْجِيَةٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ لَمَا هَنَأَ لِأَحَدٍ عَيْشٌ، ولولا عقابه لاتكل كُلُّ أَحَدٍ»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَوْ عَلِمَ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ لَمَا أَمْسَكَ عَنْ ذَنْبٍ، وَلَوْ عَلِمَ قَدْرَ عُقُوبَتِهِ لَقَمَعَ نَفْسَهُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» .