قَالُوا: أَيْ إِخْوَةُ يُوسُفَ (وَأَقْبَلُوا) جُمْلَةً حَالِيَّةً أَيْ: وَقَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أَيْ: عَلَى طَالِبِيِ السِّقَايَةِ، أَوْ عَلَى الْمُؤَذِّنِ إِنْ كَانَ أُرِيدُ بِهِ جَمْعٌ. كَأَنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنَادُونَ، وَسَاءَهُمْ أَنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ الْمَثْلَبَةِ وَقَالُوا: مَاذَا تَفْقِدُونَ؟ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَرَاءَتُهُمْ، وَلَمْ يَلُوذُوا بِالْإِنْكَارِ مِنْ أَوَّل، بَلْ سَأَلُوا كَمَالَ الدَّعْوَى رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا تُبْطَلُ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى خِصَامٍ.
وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ (مَاذَا) اسْتِفْهَامًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بتفقدون.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (مَا) وحدها استفهاما مبتدأ، و (ذا) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ (ما) ، و (تفقدون) صِلَةٌ لِذَا، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: تَفْقِدُونَهُ.
وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ أَفْقَدْتُهُ إِذَا وَجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أَحَمَدْتُهُ إِذَا أَصَبْتَهُ مَحْمُودًا.
وَضَعَّفَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو حَاتِمٍ، وَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَصُوَاعُ الْمَلِكِ هُوَ الْمِكْيَالُ، وَهُوَ السِّقَايَةُ سَمَّاهُ أَوَّلًا بِإِحْدَى جِهَتَيْهِ، وَآخِرًا بِالثَّانِيَةِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (صُوَاعَ) بِضَمِّ الصَّادِ، بَعْدَهَا وَاوٌ مَفْتُوحَةٌ، بَعْدَهَا أَلِفٌ، بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ فِيمَا نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ كَسَرَ الصَّادَ.
وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٌ: صَاعَ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ، فَالْأَلِفُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ.
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ: صَوْعَ عَلَى وَزْنِ قَوْسٍ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبي أرطيان: صُوَعَ بِضَمِّ الصَّادِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ فِي الصَّاعِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُمَا صَاحِبُ الْلَوَامِحِ:
صُوَاغَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ غُرَابٍ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْذِفُ الْأَلِفَ وَيُسَكِّنُ الْوَاوَ.
وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: صَوْغَ مَصْدَرُ صَاغٍ، وصواغ صوغ مُشْتَقَّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صَاغَ يَصُوغُ، أُقِيمَا مَقَامَ الْمَفْعُولِ بِمَعْنَى مَصُوغِ الْمَلِكِ.
(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ)
أَيْ: وَلِمَنْ دَلَّ عَلَى سَارِقِهِ وفضحه، وهذا جعل وأنا به زَعِيمٌ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَذِّنِ. وَأَنَا بِحَمْلِ الْبَعِيرِ كَفِيلٌ أؤديه إلى من جَاءَ بِهِ، وَأَرَادَ بِهِ وَسَقَ بَعِيرٍ مِنْ طَعَامٍ جَعْلًا لِمَنْ حَصَّلَهُ.