فهرس الكتاب

الصفحة 3980 من 4059

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ(43)}

الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ) لِلسَّامِعِ الَّذِي يُمْكِنُ مِنْهُ حُسْبَانُ مِثْلِ هَذَا لِجَهْلِهِ بِصِفَاتِ اللَّهِ، لا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِلظَّالِمِينَ، وَتَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِينَ.

وَقَرَأَ طَلْحَةُ: (وَلَا تَحْسَبْ) بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ، وَكَذَا (فَلَا تَحْسَبِ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ) .

وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ حُسْبَانِهِ غَافِلًا الْإِيذَانُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُ الظَّالِمُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُعَاقِبُهُمْ عَلَى قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) يُرِيدُ الْوَعِيدَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: وَلَا تَحْسَبَنَّهُ، يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْغَافِلِ عَمَّا يَعْمَلُونَ، وَلَكِنْ مُعَامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ الْمُحَاسِبِ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ.

وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْمُفَضَّلُ، عَنْ عَاصِمٍ وَعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهَارُونَ الْعَتَكِيِّ، وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عمرو: (نُؤَخِّرُهُمْ) بِنُونِ الْعَظْمَةِ، وَالْجُمْهُورُ بِالْيَاءِ أَيْ: يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ.

(مُهْطِعِينَ) مُسْرِعِينَ. قَالَهُ: ابْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَذَلِكَ بِذِلَّة وَاسْتِكَانَةٍ كَإِسْرَاعِ الْأَسِيرِ وَالْخَائِفِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الضُّحَى: شَدِيدِي النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرُقُوا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: غير رافعي رءوسهم.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَّ يَمِينِ النَّظَرِ.

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: مُقْبِلِينَ للإصغاء، وأنشد:

بِدِجْلَةَ دَارُهُمْ وَلَقَدْ أَرَاهُمْ ... بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ

وَقَالَ الحسن: (مقنعي رءوسهم) وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَى السَّمَاءِ، لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَوَاءٌ صُفْرٌ مِنَ الْخَيْرِ خَاوِيَةٌ مِنْهُ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَوْفٌ لا عقول لَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ: خَرِبَةٌ خَاوِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ وَلَا عَقْلٌ.

وَقَالَ سُفْيَانُ: خَالِيَةٌ إِلَّا مِنْ فَزَعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَقَوْلِهِ: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) أَيْ: إِلَّا مِنْ هَمِّ مُوسَى. وَهَوَاءٌ تَشْبِيهٌ مَحْضٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَوَاءٍ حَقِيقَةً.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي فَرَاغِهَا مِنَ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فِي الرَّحْمَةِ، فَهِيَ منحرقة مُشْبِهَةُ الْهَوَاءِ فِي تَفَرُّغِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَانْخِرَاقِهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي اضْطِرَابِ أَفْئِدَتِهِمْ وَجَيَشَانِهَا فِي الصُّدُورِ، وَأَنَّهَا تَجِيءُ وَتَذْهَبُ وَتَبْلُغُ عَلَى مَا رَوى حَنَاجِرَهُمْ، فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ أَبَدًا فِي اضْطِرَابٍ.

وَحُصُولُ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ لِلظَّالِمِينَ قَبْلَ الْمُحَاسَبَةِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهَا عَقِيبَ قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) .

وَقِيلَ: عِنْدَ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَالْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ.

وَقِيلَ: عِنْدَ ذَهَابِ السُّعَدَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْأَشْقِيَاءِ إِلَى النَّارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت