فهرس الكتاب

الصفحة 1925 من 4059

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)}

الظَّاهِرُ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ بِاللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، وَأَنَّهُ التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَذْكَارِ. هَذِهِ الْهَيْئَاتُ الثَّلَاثَةُ هِيَ غَالِبُ مَا يَكُونُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ، فَاسْتُعْمِلَتْ وَالْمُرَادُ بِهَا جَمِيعُ الْأَحْوَالِ. كَمَا

قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»

وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ»

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الصَّلَوَاتُ، فَفِي حَالِ الْعُذْرِ يُصَلُّونَهَا قُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، وَسَمَّاهَا ذِكْرًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الذِّكْرِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ صَلَاةُ النَّفْلِ يُصَلِّيهَا كَيْفَ شَاءَ.

وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ تَفْسِيرِ الذِّكْرِ فَتَقْدِيمُ الْقِيَامِ، لِأَنَّ الذِّكْرَ فِيهِ أَخَفُّ عَلَى الْإِنْسَانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حَالَةِ الْقُعُودِ وَالذِّكْرُ فِيهِ أَشَقُّ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْعُدُ غَالِبًا إِلَّا لِشُغْلٍ يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى هَيْئَةِ الِاضْطِجَاعِ وَالذِّكْرُ فِيهَا أَشَقُّ مِنْهُ فِي هَيْئَةِ الْقُعُودِ، لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ هُوَ هَيْئَةُ اسْتِرَاحَةٍ وَفَرَاغٍ عَنِ الشَّوَاغِلِ.

وَيُمْكِنُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَاتِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِمَا هُوَ أقصر زمانا، فبدئ بِالْقِيَامِ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ زَمَانُهَا فِي الْغَالِبِ أَقْصَرُ مِنْ زَمَانِ الْقُعُودِ، ثُمَّ بِالْقُعُودِ إِذْ زَمَانُهُ أَطْوَلُ، وَبِالِاضْطِجَاعِ إِذْ زَمَانُهُ أَطْوَلُ مِنْ زَمَانِ الْقُعُودِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّيْلَ جَمِيعَهُ هُوَ زَمَانُ الِاضْطِجَاعِ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِزَمَانِ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ، وَهُوَ النَّهَارُ؟

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الذِّكْرُ يُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، فَالْهَيْئَاتُ جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ. فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لَا يُصَلِّي قَاعِدًا، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ لَا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ يُرَادُ بِهِ صَلَاةُ النَّفْلِ فَالْهَيْئَاتُ عَلَى سَبِيلِ الْأَفْضَلِيَّةِ، إِذِ الْأَفْضَلُ التَّنَفُّلُ قَائِمًا ثُمَّ قَاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا.

وَأَبْعَدُ فِي التَّفْسِيرِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا بِأَوَامِرِهِ، وَقُعُودًا عَنْ زَوَاجِرِهِ، وَعَلَى جُنُوبِهِمْ أَيْ تَجَانُبُهُمْ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

وَهَذَا شَبِيهٌ بِكَلَامِ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ، وَقَرِيبٌ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ.

وَلَمَّا ذَكَرَ الذِّكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ اللِّسَانُ، ذَكَرَ الْفِكْرَ الَّذِي مَحَلُّهُ الْقَلْبُ.

وَيَحْتَمِلُ خَلْقِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ، فَإِنَّ الْفِكْرَةَ فِي الْخَلْقِ لِهَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْغَرِيبَةِ الشَّكْلِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِنْشَاءِ هَذِهِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ، يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْأَحَدِيَّةِ إِلَى سَائِرِ الصِّفَاتِ الْعَلِيَّةِ.

وَفِي الْفِكْرِ فِي ذَلِكَ مَا يُبْهِرُ الْعُقُولَ، وَيَسْتَغْرِقُ الْخَوَاطِرَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَيَكُونُ أَضَافَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى الظَّرْفَيْنِ، لَا إِلَى المفعول، والفكر في ما أودع الله في السماوات مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَالْأَفْلَاكِ الَّتِي جَاءَ النَّصْرُ فِيهَا وَمَا أَوْدَعَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ، وَاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَأَشْخَاصِهَا أَيْضًا يُبْهِرُ الْعَقْلَ وَيُكْثِرُ الْعِبَرَ

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ

وَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي اللَّهِ فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ فَإِنَّكُمْ لَا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ» .

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُتَفَكِّرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَالنَّاظِرِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

وَإِنَّمَا التَّفَكُّرُ وَانْبِسَاطُ الذِّهْنِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي مَخْلُوقِ الْآخِرَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» .

(رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ)

هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ.

وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْخَلْقِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَخْلُوقُ، أَوْ إلى السماوات وَالْأَرْضِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَخْلُوقِ. أَيْ: مَا خَلَقْتَ هَذَا الْمَخْلُوقَ الْعَجِيبَ بَاطِلًا.

قِيلَ: الْمَعْنَى خَلْقًا بَاطِلًا أَيْ: لِغَيْرِ غَايَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ وَخَلَقْتَ الْبَشَرَ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَيُوَحِّدَ وَيَعْبُدَ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ، وَمَنْ ضَلَّ عَنْ ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ.

وَلَمَّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ هَذَا الْخَلْقَ الْبَدِيعَ لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا كَلَامُ أُولِي الْأَلْبَابِ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ وَالْمُتَفَكِّرِينَ فِي الْخَلْقِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَالْجَهَالَةِ يَذْهَبُونَ إِلَى خِلَافِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَنَزَّهُوهُ تَعَالَى عَنْ مَا يَقُولُ أُولَئِكَ الْمُبْطِلُونَ مِنْ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (لَاعِبِينَ) ، وَفِي قَوْلِهِ: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا) وَاعْتُرِضَ بِهَذَا التَّنْزِيهِ الْمُتَضَمِّنِ بَرَاءَةَ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَأَفْعَالِ الْمُحْدَثِينَ. بَيْنَ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَبَيْنَ رَغْبَتِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ بِأَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَلَا اكْتِرَاثٌ بِهَا، إِنَّمَا تَضَرَّعُوا فِي سُؤَالِ وِقَايَتِهِمُ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَهَذَا السُّؤَالُ هُوَ نَتِيجَةُ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَالْإِقْرَارِ وَالتَّنْزِيهِ. وَالْفَاءُ فِي: فَقِنَا لِلْعَطْفِ، وَتَرْتِيبِ السُّؤَالِ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ.

وَقِيلَ: لِتَرْتِيبِ السُّؤَالِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ سُبْحَانَ مِنَ الْفِعْلِ، أَيْ: نَزَّهْنَاكَ عَمَّا يَقُولُ الْجَاهِلُونَ فَقِنَا. وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ عَلَى مَا تَضَمَّنَ النِّدَاءَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت