فهرس الكتاب

الصفحة 1984 من 4059

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(9)}

ظَاهِرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَاتِّقَائِهِ. وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ مَنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ ذَرِّيَّةٍ ضِعَافٍ لِتَنْبِيهِهِ على ذلك بِكَوْنِهِ هُوَ يَتْرُكُ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وُلَاةُ الْأَيْتَامِ، وَالَّذِي يَنْهَى الْمُحْتَضِرَ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ وَيَحْسُنُ لَهُ الْإِمْسَاكُ عَلَى قَرَابَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَالَّذِي يَأْمُرُ الْمُحْتَضِرَ بِالْوَصِيَّةِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَيُذَكِّرُهُ بِأَنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وَقَصْدُهُ إِيذَاءُ وَرَثَتِهِ بِذَلِكَ.

وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُرَادُ جَمِيعُ النَّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقَاءِ اللَّهِ فِي الْأَيْتَامِ وَأَوْلَادِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حِجْرِهِمْ. وَأَنَّ يُسَدِّدُوا لَهُمُ الْقَوْلَ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُفْعَلَ بِأَوْلَادِهِمْ.

(لطيفة)

وَانْظُرْ إِلَى حُسْنِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ حَيْثُ بَدَأَ أَوَّلًا بِالْخَشْيَةِ الَّتِي مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَهِيَ الِاحْتِرَازُ مِنَ الشَّيْءِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ، وَهِيَ الْحَامِلَةُ عَلَى التَّقْوَى، ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ثَانِيًا وَهِيَ مُتَسَبِّبَةٌ عَنِ الْخَشْيَةِ، إِذْ هِيَ جَعْلُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي وِقَايَةٍ مِمَّا يَخْشَاهُ.

ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْفِعْلِ النَّاشِئِ عَنِ التَّقْوَى النَّاشِئَةِ عَنِ الْخَشْيَةِ.

وَلَا يُرَادُ تَخْصِيصُ الْقَوْلِ السَّدِيدِ فَقَطْ، بَلِ الْمَعْنَى عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدَيْنِ. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ لِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَى الْإِنْسَانِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَقَلُّ مَا يُسْلَكُ هُوَ الْقَوْلُ السَّدِيدُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ لِلَّذِينَ يُفَرِّقُونَ الْمَالَ زِدْ فُلَانًا وَأَعْطِ فُلَانًا.

وَقِيلَ: هُوَ الْأَمْرُ بِإِخْرَاجِ الثُّلُثِ فَقَطْ.

وَقِيلَ: هُوَ تَلْقِينُ الْمُحْتَضِرِ الشَّهَادَةَ.

وَقِيلَ: الصِّدْقُ فِي الشَّهَادَةِ.

وَقِيلَ: الْمُوَافِقُ لِلْحَقِّ.

وَقِيلَ: لِلْعَدْلِ.

وَقِيلَ: لِلْقَصْدِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ.

وَالسَّدَادُ: الِاسْتِوَاءُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَأَصْلُ السَّدِّ إِزَالَةُ الِاخْتِلَالِ. وَالسَّدِيدُ يُقَالُ فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ، وَفِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَرَجُلٌ سَدِيدٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسَدَّدُ مِنْ قِبَلِ مَتْبُوعِهِ، وَيُسَدِّدُ لِتَابِعِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت