فهرس الكتاب

الصفحة 4018 من 4059

{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(54)قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ(55)قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ(56)}

وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ: (بَشَّرْتُمُونِي) بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَ (عَلَى أَنَّ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.

وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (الْكُبْرُ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَاسْتَنْكَرَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُولَدَ لَهُ مَعَ الْكِبَرِ.

و (فبم تُبَشِّرُونِ) تَأْكِيدُ اسْتِبْعَادٍ وَتَعَجُّبٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةُ رُسُلِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ، وَاسْتَنْكَرَ أَنْ يُولَدَ لَهُ.

وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ مَا تَعَجَّبَ وَلَا اسْتَنْكَرَ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عِيَانًا كَيْفَ أَحْيَا الْمَوْتَى.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأَنَّهُ قَالَ: فَبِأَيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونِي، أَوْ أَرَادَ أَنَّكُمْ تُبَشِّرُونَنِي بِمَا هُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْعَادَةِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ؟ يَعْنِي: لَا تُبَشِّرُونِي فِي الْحَقِيقَةِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ بِمِثْلِ هَذَا بِشَارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.

وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ صِلَةً لِبَشَرٍ، وَيَكُونُ سُؤَالًا عَلَى الْوَجْهِ وَالطَّرِيقَةِ يَعْنِي: بِأَيِّ طَرِيقَةٍ تُبَشِّرُونَنِي بِالْوَلَدِ، وَالْبِشَارَةُ بِهِ لَا طَرِيقَةَ لَهَا فِي الْعَادَةِ انْتَهَى.

وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَعَلَى وَصْفِي بِالْكِبَرِ، أَمْ عَلَى أَنِّي أُرَدُّ إِلَى الشَّبَابِ؟

وَقِيلَ: لَمَّا اسْتَطَابَ الْبِشَارَةَ أَعَادَ السُّؤَالَ، وَيُضْعِفُ هَذَا قَوْلَهُمْ لَهُ: (بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) .

وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (تُبَشِّرُونِّي) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وَيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، أَدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ.

وَابْنُ كَثِيرٍ: بِشَدِّهَا مَكْسُورَةً دُونَ يَاءٍ.

وَنَافِعٌ يَكْسِرُهَا مُخَفَّفَةً، وَغَلَّطَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ: هَذَا يَكُونُ فِي الشِّعْرِ اضْطِرَارًا، وَخُرِّجَتْ عَلَى أَنَّهُ حَذَفَ نُونَ الْوِقَايَةِ وَكَسَرَ نُونَ الرَّفْعِ لِلْيَاءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ لِدَلَالَةِ الْكَسْرَةِ عَلَيْهَا. وَقَالُوا هُوَ مِثْلُ قوله:

يسوء القاليات إِذَا قَلَيْنِي

وَقَوْلِ الْآخَرِ:

لَا أَبَاكِ تُخَوِّفِينِي

وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحٍ وَهِيَ عَلَامَةُ الرَّفْعِ.

قَالَ الْحَسَنُ: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) عَلَى وَجْهِ الِاحْتِقَارِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْمُبَشِّرَاتِ لِمُضِيِّ الْعُمْرِ وَاسْتِيلَاءِ الْكِبَرِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَجِبَ مِنْ كِبْرِهِ وَكِبَرِ امْرَأَتِهِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ سِنِّهِ وَقْتَ الْبِشَارَةِ.

وَ (بِالْحَقِّ) أَيْ بِالْيَقِينِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ، أَوْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ، وَهِيَ قَوْلُ اللَّهِ وَوَعْدُهُ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُوجِدَ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبَوَيْنِ، فَكَيْفَ مِنْ شَيْخٍ فَانٍ، وَعَجُوزٍ عَاقِرٍ.

وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ، وَطَلْحَةُ، والأعمش، وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: (مِنَ الْقَنْطِينِ) مِنْ قَنِطَ يَقْنَطُ.

وَقَرَأَ النَّحْوِيَّانِ وَالْأَعْمَشُ: (ومن يقنط) وفي الروم والزمر بكسر النون، وباقي السبعة بفتحها، وزيد بن علي والأشهب بضمها. وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ فِي ضِمْنِهِ النَّفْيِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (إِلَّا) فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا الضَّالُّونَ)

وَقَوْلُهُمْ لَهُ: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) نَهْيٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَلَبُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِهِ وَلَا بِمُقَارَنَتِهِ.

وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ يَقْنَطُ) رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْمُحَاوَرَةَ فِي الْبِشَارَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقُنُوطِ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.

وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هِبَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْكِبَرِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِذْ يَشُدُّ عَضُدَ وَالِدِهِ بِهِ وَيُؤَازِرُهُ حَالَةَ كَوْنِهِ لَا يَسْتَقِلُّ وَيَرِثُ مِنْهُ عِلْمَهُ وَدِينَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت