فهرس الكتاب

الصفحة 3795 من 4059

{قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) }

(قَالَ تَزْرَعُونَ) إِلَى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ يُوسُفَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْقَوْلِ:

أَحَدُهَا: تَعْبِيرٌ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ.

وَالثَّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وَأَمَرَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) .

وَالثَّالِثُ: الْإِعْلَامُ بِالْغَيْبِ فِي أَمْرِ الْعَامِ الثَّامِنِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ الْعِبَارَةِ أَعْطَى انْقِطَاعَ الْخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ الْأَخْصَبُ انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دأبا) خبر، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ تَتَوَالَى لَهُمْ هذه السنون السبع لَا يَنْقَطِعُ فِيهَا زَرْعُهُمْ لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ) وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْأَمْرِ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي إِيجَابِ إِنْجَازِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ وُجِدَ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ في معنى الأمر قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) انْتَهَى.

وَلَا يَدُلُّ الْأَمْرُ بِتَرْكِهِ فِي سُنْبُلِهِ عَلَى أَنَّ تَزْرَعُونَ فِي مَعْنَى ازْرَعُوا، بَلْ تَزْرَعُونَ إِخْبَارُ غَيْبٍ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ تَوَالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهُوَ أَمْرُ إِشَارَةٍ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلُوهُ.

وَمَعْنَى (دَأَبًا) مُلَازَمَةً، كَعَادَتِكُمْ فِي الْمُزَارَعَةِ.

وَقَرَأَ حَفْصٌ: (دَأَبًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْجُمْهُورُ بِإِسْكَانِهَا، وَهُمَا مَصْدَرَانِ لِدَأَبَ، وَانْتِصَابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِنْ لَفْظِهِ أَيْ: تَدَابُونَ دَأَبًا، فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ.

وَعِنْدَ المبرد بتزرعون بِمَعْنَى تَدْأَبُونَ، وَهِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ الْقُرْفُصَاءَ.

وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: دَائِبِينَ، أَوْ ذَوِي دَأْبٍ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ تزرعون.

وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: (فَمَا حَصَدْتُمْ) شرطية أو موصولة، فذروه فِي سُنْبُلِهِ إِشَارَةً بِرَأْيِ نَافِعٍ بِحَسَبِ طَعَامِ مِصْرَ وَحِنْطَتِهَا الَّتِي لَا تَبْقَى عَامَيْنِ بِوَجْهٍ إِلَّا بِحِيلَةِ إِبْقَائِهَا فِي السُّنْبُلِ، فَإِذَا بَقِيَتْ فِيهَا انْحَفَظَتْ، وَالْمَعْنَى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ فِي السُّنْبُلِ إِلَّا مَا لَا غِنَى عَنْهُ لِلْأَكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعَامُ وَيَتَرَكَّبُ وَيُؤْكَلُ الْأَقْدَمُ فَالْأَقْدَمُ، فَإِذَا جَاءَتِ السُّنُونَ الْجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الْأَقْدَمُ فَالْأَقْدَمُ مِنْ ذَلِكَ الْمُدَّخَرِ.

وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ: (مِمَّا يَأْكُلُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ أَيْ: يَأْكُلُ النَّاسُ، وَحَذَفَ الْمُمَيَّزَ فِي قَوْلِهِ: (سَبْعٌ شِدَادٌ) أَيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدَادٌ، لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ.

وَأَسْنَدَ الْأَكْلَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِمَا كَمَا قَالَ: (وَالنَّهارَ مُبْصِرًا) .

وَمَعْنَى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وَتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصْنِ وَهُوَ الْحِرْزُ وَالْمَلْجَأُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْجُمْهُورُ: (يُغَاثُ) مِنَ الْغَيْثِ.

وَقِيلَ: مِنَ الْغَوْثِ، وَهُوَ الْفَرَجُ.

فَفِي الْأَوَّلِ بُنِيَ مِنْ ثُلَاثِيٍّ، وَفِي الثَّانِي مِنْ رُبَاعِيٍّ، تَقُولُ: غَاثَنَا اللَّهُ مِنَ الْغَيْثِ، وَأَغَاثَنَا مِنَ الْغَوْثِ.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَصْرِ النَّبَاتِ كَالْعِنَبِ وَالْقَصَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَالْفِجْلِ وَجَمِيعِ مَا يُعْصَرُ، وَمِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَالْحَلْبُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ.

وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الْجَدْبِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُصْرَةِ، وَالْعَصْرُ وَهُوَ الْمُنَجِّي، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي زُبَيْدٍ فِي عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِ

فَالْمَعْنَى: يَنْجُونَ بِالْعُصْرَةِ.

وَقَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَعِيسَى الْبَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَعَنْ عِيسَى أَيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَمَعْنَاهُ: يَنْجُونَ مِنْ عَصْرِهِ إِذَا أَنْجَاهُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: (يُغَاثُ النَّاسُ) .

وَقَالَ ابْنُ الْمُسْتَنِيرِ: مَعْنَاهُ يُمْطَرُونَ، مِنْ أَعْصَرَتِ السَّحَابَةُ مَاءَهَا عَلَيْهِمْ فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجَازًا بِإِسْنَادِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ لِلْمَاءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ.

وحكى النقاش أنه قرئ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَشَدِّهَا، مِنْ عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ.

وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وَفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَالصَّادِ وَشَدِّهَا، وَأَصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الصَّادِ وَنَقَلَ حَرَكَتَهَا إِلَى الْعَيْنِ، وَأَتْبَعَ حَرَكَةَ التَّاءِ لِحَرَكَةِ الْعَيْنِ.

وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنَ اعْتَصَرَ الْعِنَبَ وَنَحْوِهِ. وَمِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنَى نَجَا قَالَ الشَّاعِرُ:

لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِي

أَيْ نَجَاتِي.

تَأَوَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْبَقَرَاتِ السِّمَانَ وَالسُّنْبُلَاتِ الْخُضْرَ بسين مُخْصِبَةٍ، وَالْعِجَافَ وَالْيَابِسَاتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا بِمَجِيءِ الْعَامِ الثَّامِنِ مُبَارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الْخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ.

وَعَنْ قَتَادَةَ: زَادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، وَالَّذِي مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ هُوَ التَّفْضِيلُ بِحَالِ الْعَامِ بِأَنَّهُ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهَاءِ السَّبْعِ الشِّدَادِ مَجِيءُ الْخِصْبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت