فهرس الكتاب

الصفحة 3372 من 4059

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ(43)}

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي صِنْفٍ مُبَالِغٍ فِي النِّفَاقِ.

وَاسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذَارٍ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي، والجد بن قيس، وَرِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ائْذَنَّ لَنَا فِي الْإِقَامَةِ، فَأَذِنَ لَهُمُ اسْتِبْقَاءً مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَأَخْذًا بِالْأَسْهَلِ مِنَ الْأُمُورِ، وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْذِنُهُ، فَإِنْ أَذِنَ فِي الْقُعُودِ قَعَدْنَا، وإن لم يأذن قعدنا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ النجوي الدَّاوُدِيُّ الْمَنْبُوذُ بِنَفْطَوَيْهِ: ذَهَبَ نَاسٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتَبٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كَمَا

قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً»

لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ.

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ.

وَاسْتَأْذَنَهُ الْمُخَلَّفُونَ فِي التَّخَلُّفِ وَاعْتَذَرُوا، اخْتَارَ أَيْسَرَ الْأَمْرَيْنِ تَكَرُّمًا وَتَفَضُّلًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَأَقَامُوا لِلنِّفَاقِ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي إِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَالْمُشَاوَرَةِ، فَعَفَا اللَّهُ عَنْكَ عِنْدَهُ افْتِتَاحُ كَلَامٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ، أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَهُ مِنَ الْإِذْنِ، وَلَيْسَ هُوَ عَفْوًا عَنْ ذَنْبٍ، إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الْإِذْنِ لَهُمْ كَمَا

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ»

وَمَا وَجَبَتَا قَطُّ وَمَعْنَاهُ: تَرَكَ أَنْ يُلْزِمَكُمْ ذَلِكَ انْتَهَى.

وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَقَالُوا: ذِكْرُ الْعَفْوِ هُنَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَدُّمِ ذَنْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ جَرَتْ عَادَةُ العربان تُخَاطِبَ بِمِثْلِهِ لِمَنْ تُعَظِّمُهُ وَتَرْفَعُ مِنْ قَدْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الدُّعَاءَ لَهُ فَيَقُولُونَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ كَانَ كَذَا وَكَذَا، فَعَلَى هَذَا صِيغَتُهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ انْتَهَى.

وَ (لِمَ، وَلَهُمْ) مُتَعَلّقَانِ بِأَذِنْتَ، لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مَدْلُولُ اللَّامَيْنِ، إِذْ لَامُ (لِمَ) لِلتَّعْلِيلِ، وَلَامُ (لَهُمْ) لِلتَّبْلِيغِ، فَجَازَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا.

وَمُتَعَلّقُ الْإِذْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَمَا قَدَّمْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْقُعُودُ أَيْ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فِي الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ عَنْ الْغَزْوِ حَتَّى تَعْرِفَ ذَوِي الْعُذْرِ فِي التَّخَلُّفِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ.

وَقِيلَ: مُتَعَلّقُ الْإِذْنِ هُوَ الْخُرُوجُ مَعَهُ لِلْغَزْوِ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى خُرُوجِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَيْنًا لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) وَكَانُوا يَخْذُلُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فِي إِخْرَاجِهِمْ وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ السَّيِّئَةِ؟

وَبَيَّنَ أَنَّ خُرُوجَهُمْ مَعَهُ لَيْسَ مَصْلَحَةً بِقَوْلِهِ: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) .

وَ (حَتَّى) غَايَةٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهَامُ أَيْ: مَا كَانَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنْ لَهُ الْعُذْرُ، هَكَذَا قَدَّرَهُ الْحَوْفِيُّ.

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ

مُتَعَلّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْدِيرُهُ: هَلَّا أَخَّرْتَهُمْ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَوْ لِيَتَبَيَّنَ.

وَقَوْلُهُ: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ حَتَّى بِأَذِنْتَ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، أَوْ لِأَجْلِ التَّبْيِينِ، وَهَذَا لَا يُعَاتَبُ عَلَيْهِ انْتَهَى.

وَكَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) مِمَّا يَجِبُ اطِّرَاحُهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُذْكَرَ فَيُرَدّ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: (الَّذِينَ صَدَقُوا) أَيْ: فِي اسْتِئْذَانِكَ. وَأَنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهُمْ خَرَجُوا مَعَكَ. وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ: تُرِيدُ فِي أَنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ يُظْهِرُونَ لَكَ أَنَّهُمْ يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وَهُمْ كَذَبَةٌ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى الْعِصْيَانِ أَذِنْتَ لَهُمْ أَوْ لَمْ تَأْذَنْ.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: حَتَّى تَعْلَمَ الصَّادِقِينَ فِي أَنَّ لَهُمْ عُذْرًا، وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ فِي أن الأعذار لَهُمْ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ آيَةُ النُّورِ (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) .

وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ النُّورَ نَزَلَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فِي اسْتِئْذَانِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ فِي بَعْضِ شَأْنِهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَأَبَاحَ اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ، فَتَبَايَنَتِ الْآيَتَانِ فِي الْوَقْتِ وَالْمَعْنَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت