نَزَلَتْ فِي أَعْرَابٍ مِنْ أَسَدٍ، وَتَمِيمٍ، وَغَطَفَانَ. وَمِنْ أَعْرَابِ حَاضِرِي الْمَدِينَةِ أَيْ: أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ. وَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ مُتَعَلّقًا بِالْقَلْبِ فَقَطْ، فَالتَّقْدِيرُ أَشَدُّ أَسْبَابِ كُفْرٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ فِيهِ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ.
وَكَانُوا أَشَدَّ كُفْرًا وَنِفَاقًا لِتَوَحُّشِهِمْ وَاسْتِيلَاءِ الْهَوَاءِ الْحَارِّ عَلَيْهِمْ، فَيَزِيدُ فِي تِيهِهِمْ وَنَخْوَتِهِمْ وَفَخْرِهِمْ وَطَيْشِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ بِلَا سَائِسٍ وَلَا مُؤَدِّبٍ وَلَا ضَابِطٍ، فنشأوا كَمَا شَاءُوا لِبُعْدِهِمْ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْعُلَمَاءِ وَمَعْرِفَةِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلِبُعْدِهِمْ عَنْ مَهْبِطِ الْوَحْيِ.
كَانُوا أَطْلَقَ لِسَانًا بِالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ مِنْ مُنَافِقِي الْمَدِينَةِ، إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ كُفْرُهُمْ سِرًّا وَلَا يَتَظَاهَرُونَ بِهِ إِلَّا تَعْرِيضًا.
(وأجدر) أي: أحق أن لا يَعْلَمُوا أَيْ بِأَنْ لَا يَعْلَمُوا. وَالْحُدُودُ: هُنَا الْفَرَائِضُ.
وقيل: الوعيد عل مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، وَالتَّأَخُّرِ عَنِ الْجِهَادِ.
وَقِيلَ: مَقَادِيرُ التَّكَالِيفِ وَالْأَحْكَامِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَقَلُّ عِلْمًا بِالسُّنَنِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْجَفَاءَ وَالْقَسْوَةَ فِي الْفَدَّادِينَ»
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ أهل الوبر والمدبر (حَكِيمٌ) فِيمَا يُصِيبُ بِهِ مُسِيئَهُمْ وَمُحْسِنَهُمْ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ.