فهرس الكتاب
وَالْمُنَادِي هُنَا هُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) أَوِ الْقُرْآنُ.
قَالَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ.
قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْقَوُا الرَّسُولَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ وَصْفُهُ بِالنِّدَاءِ حَقِيقَةً، وَعَلَى الثَّانِي مَجَازًا، وَجُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (مُنَادِيًا يُنَادِي) لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْأَوَّلَ مُطْلَقًا وَقَيَّدَ الثَّانِيَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الْمُنَادِي، لِأَنَّهُ لَا مُنَادِيَ أَعْظَمُ مِنْ مُنَادٍ يُنَادِي لِلْإِيمَانِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَادِيَ إِذَا أُطْلِقَ ذَهَبَ الْوَهْمُ إِلَى مُنَادٍ لِلْحَرْبِ، أَوْ لِإِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ، أَوْ لِإِغَاثَةِ الْمَكْرُوبِ، أَوْ لِكِفَايَةِ بَعْضِ النَّوَازِلِ، أَوْ لِبَعْضِ الْمَنَافِعِ. فَإِذَا قُلْتَ: يُنَادِي لِلْإِيمَانِ فَقَدْ رَفَعْتَ مِنْ شَأْنِ الْمُنَادِي وَفَخَّمْتَهُ.
قال بعضهم: إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى إِلَى. لَمَّا كَانَ يُنَادِي فِي مَعْنَى يَدْعُو، حَسُنَ وُصُولُهَا بِاللَّامِ بِمَعْنَى: إِلَى.
وَقِيلَ: اللَّامُ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ الْإِيمَانِ.
وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ بِالْإِيمَانِ.
وَالسَّمَاعُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ سَمِعْنَا صَوْتَ مُنَادٍ.
قِيلَ: وَمَنْ جَعَلَ الْمُنَادِيَ هُوَ الْقُرْآنَ، فَالسَّمَاعُ عِنْدَهُ مَجَازٌ عن القبول، وأن مُفَسِّرَةٌ التَّقْدِيرُ: أَنْ آمِنُوا.
وَعَطْفُ (فَآمَنَّا) بِالْفَاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ الْقَبُولِ، وَتَسْبِيبِ الْإِيمَانِ عَنِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَالْمَعْنَى: فَآمَنَّا بِكَ أَوْ بربنا.
(رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الذُّنُوبُ هِيَ الْكَبَائِرُ، وَالسَّيِّئَاتُ هِيَ الصَّغَائِرُ. وَيُؤَيِّدُهُ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ)
وَقِيلَ: الذُّنُوبُ تَرْكُ الطَّاعَاتِ، وَالسَّيِّئَاتُ فِعْلُ الْمَعَاصِي.
وَقِيلَ: غُفْرَانُ الذُّنُوبِ وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ أَمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وَلِأَنَّهَا مَنَاحٍ مِنَ السَّتْرِ وَإِزَالَةِ حُكْمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَالْغُفْرَانُ وَالتَّكْفِيرُ بِمَعْنًى، وَالذُّنُوبُ وَالسَّيِّئَاتُ بِمَعْنًى، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَةً، وَلِيَكُونَ فِي ذَلِكَ إِلْحَاحٌ فِي الدُّعَاءِ.
فَقَدْ رُوِيَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» .
وَقِيلَ: في التفكير مَعْنًى وَهُوَ: التَّغْطِيَةُ، لِيَأْمَنُوا الْفُضُوحَ. وَالْكَفَّارَةُ هِيَ الطَّاعَةُ الْمُغَطِّيَةُ لِلسَّيِّئَةِ، كَالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ. وَرَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلَاحِ، أَيْ مُغَطًّى.
(وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ)
جَمْعُ بَرٍّ، أَوْ جَمْعُ بَارٍّ، وَهُمُ: الطَّائِعُونَ لِلَّهِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْبِرِّ.
وَقِيلَ: هُمْ هُنَا الَّذِينَ بَرُّوا الآباء والأبناء. ومع هُنَا مَجَازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ الزَّمَانِيَّةِ إِلَى الصُّحْبَةِ فِي الْوَصْفِ، أَيْ: تَوَفَّنَا أَبْرَارًا مَعْدُودِينَ فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ.
وَالْمَعْنَى: اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَفَّيْتَهُمْ طَائِعِينَ لَكَ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى احْشُرْنَا مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ.