فهرس الكتاب

الصفحة 3359 من 4059

{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(35)}

يُقَالُ: حَمَيْتُ الْحَدِيدَةَ فِي النَّارِ أَيْ أَوْقَدْتُ عَلَيْهَا لِتُحْمَى، وَتَقُولَ: أَحَمَيْتُهَا أَدْخَلْتُهَا لِكَيْ تُحْمَى أَيْضًا فَحَمِيَتْ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا) بِالْيَاءِ، أَصْلُهُ يَحْمِي النَّارَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا حَذْفُ الْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأُسْنِدَ الْفِعْلُ إِلَى الْجُمْلَةِ وَالْمَجْرُورِ، لَمْ تَلْحَقِ التَّاءُ كَمَا تَقُولُ: رَفَعْتُ الْقِصَّةَ إِلَى الْأَمِيرِ. وَإِذَا حُذِفَتِ الْقِصَّةُ وَقَامَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَقَامَهَا قُلْتَ: رُفِعَ إِلَى الْأَمِيرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ مُسْنَدٌ إِلَى النَّارِ، قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ (تُحْمَى) بِالتَّاءِ.

وَقِيلَ: مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ، فَالْمَعْنَى: يُحْمَى الْوَقُودُ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فالمعنى: تحمى النار. والناصب لِيَوْمٍ أَلِيمٍ أَوْ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ عَذَابٌ أَيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ يُحْمَى.

وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: فَيُكْوَى بِالْيَاءِ، لَمَّا كَانَ مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ ليس تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، وَوَقَعَ الْفَصْلُ أَيْضًا ذُكِرَ، وَأَدْغَمَ قَوْمٌ جِبَاهُهُمْ وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي عُمَرَ وَذَلِكَ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، كَمَا أُدْغِمَ (مناسككم، وما سَلَكَكُمْ) .

وَخُصَّتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ بِالْكَيِّ.

قِيلَ: لِأَنَّهُ فِي الجهة أَشْنَعُ، وَفِي الْجَنْبِ وَالظَّهْرِ أوجع.

وقيل: لأنها مُجَوَّفَةٌ فَيَصِلُ إِلَى أَجْوَافِهَا الْحَرُّ، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُكْوَوْنَ عَلَى الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ مَقَادِيمِهِمْ وَمَآخِرِهِمْ وَجَنُوبِهِمْ.

وَقِيلَ: لَمَّا طَلَبُوا الْمَالَ وَالْجَاهَ شَانَ اللَّهُ وُجُوهَهَمْ، وَلَمَّا طَوَوْا كَشْحًا عَنِ الْفَقِيرِ إِذَا جَالَسَهُمْ كُوِيَتْ ظُهُورُهُمْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا بِأَمْوَالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا الْأَغْرَاضَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنْ وَجَاهَةٍ عِنْدَ النَّاسِ وَتَقَدُّمٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَاءُ وُجُوهِهِمْ مَصُونًا عِنْدَهُمْ يُتَلَقَّوْنَ بِالْجَمِيلِ، وَيُحَيَّوْنَ بِالْإِكْرَامِ، وَيَحْتَشِمُونَ، وَمِنْ أَكْلِ طَيِّبَاتٍ يَتَضَلَّعُونَ مِنْهَا، وَيَنْفُخُونَ جُنُوبَهُمْ، وَمِنْ لُبْسِ نَاعِمَةٍ مِنَ الثِّيَابِ يَطْرَحُونَهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ كَمَا تَرَى أَغْنِيَاءَ زَمَانِكَ هَذِهِ أَغْرَاضُهُمْ وَطَلَبَاتُهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. لَا يُخْطِرُونَ بِبَالِهِمْ

قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ»

وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَبْصَرُوا الْفَقِيرَ عَبَسُوا، وَإِذَا ضَمَّهُمْ وَإِيَّاهُ مَجْلِسٌ ازْوَرُّوا عَنْهُ، وَتَوَلَّوْا بِأَرْكَانِهِمْ، وَوَلَّوْا ظُهُورَهُمْ.

وَأُضْمِرَ الْقَوْلُ فِي (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ وَقْتَ الْكَيِّ وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْمَالِ الْمَكْنُوزِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَيِّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنَ مَا كَنَزْتُمْ، أَيْ: هَذَا الْكَيُّ نَتِيجَةُ مَا كَنَزْتُمْ، أَوْ ثَمَرَةُ مَا كَنَزْتُمْ.

وَمَعْنَى (لِأَنْفُسِكُمْ) لِتَنْتَفِعَ بِهِ أَنْفُسُكُمْ وَتَلْتَذَّ، فَصَارَ عَذَابًا لَكُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ.

(فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ)

أَيْ: وَبَالَ الْمَالِ الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَصْدَرِيَّةً أَيْ: وَبَالَ كَوْنِكُمْ كَانِزِينَ.

وقرئ يَكْنُزُونَ بِضَمِّ النُّونِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «بَشِّرِ الكانزين برصد يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ وَتُزَلْزِلُهُ وَتُكْوَى الْجِبَاهُ وَالْجُنُوبُ وَالظُّهُورُ حَتَّى يَلْتَقِيَ الْحَرُّ فِي أَجْوَافِهِمْ»

وَفِي صحيح البخاري وصحيح مسلم: «الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت