فهرس الكتاب

الصفحة 857 من 4059

{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }

(مَعْدُودَاتٍ)

تَسْهِيلًا عَلَى الْمُكَلَّفِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ يَحْصُرُهَا الْعَدُّ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ الَّتِي تَفُوتُ الْعَدَّ، وَلِهَذَا وَقَعَ الِاسْتِعْمَالُ بِالْمَعْدُودِ كِنَايَةً عَلَى الْقَلَائِلِ، كَقَوْلِهِ: (فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ) (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) .

وَإِنْ كَانَ مَا فُرِضَ صَوْمُهُ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.

وَقِيلَ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَفْرُوضًا عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فَيَكُونُ قوله: (أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ) عني بِهَا هَذِهِ الْأَيَّامَ.

(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)

وَمَعْنَى: أَوْ، هُنَا التَّنْوِيعُ، وَعَدَلَ عَنِ اسْمِ الْفَاعِلِ وهو: أو مسافر إِلَى، أَوْ عَلَى سَفَرٍ، إِشْعَارًا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى السَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِيَارِ لِلْمُسَافِرِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْإِنْسَانَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَهُوَ قَهْرِيٌّ، بِخِلَافِ السَّفَرِ فَكَأَنَّ السَّفَرَ مَرْكُوبُ الْإِنْسَانِ يَسْتَعْلِي عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى طَرِيقٍ، وَرَاكِبُ طَرِيقٍ إِشْعَارًا بِالِاخْتِيَارِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مُسْتَوْلٍ عَلَى السَّفَرِ مُخْتَارٌ لِرُكُوبِ الطَّرِيقِ فِيهِ.

(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)

ونكر (فَعِدَّةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: فَعِدَّتُهَا، أَيْ: فعدة الْأَيَّامِ الَّتِي أُفْطِرَتِ اجْتِزَاءً، إِذِ الْمَعْلُومُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِدَّةٌ غَيْرُ مَا أَفْطَرَ فِيهِ مِمَّا صَامَهُ، وَالْعِدَّةُ هِيَ الْمَعْدُودُ، فكان التنكير أخصر و (مِنْ أَيَّامٍ) فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ فَعِدَّةٌ)، وَ (أُخَرَ) صِفَةٌ لـ (أَيَّامٍ) ، وَصِفَةُ الْجَمْعِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ تَارَةً يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْوَاحِدَةِ الْمُؤَنَّثَةِ وَتَارَةً يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ جَمْعِ الْوَاحِدَةِ الْمُؤَنَّثَةِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ: (إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) وَمِنَ الثَّانِي: (إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ) فمعدودات: جَمْعٌ لِمَعْدُودَةٍ.

وَأَنْتَ لَا تَقُولُ: يَوْمٌ مَعْدُودَةٌ، إِنَّمَا تَقُولُ: مَعْدُودٌ، لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ، لَكِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي جَمْعِهِ، وَعُدِلَ عَنْ أَنْ يُوصَفَ الْأَيَّامُ بِوَصْفِ الْوَاحِدَةِ المؤنث، فَكَانَ، يَكُونُ: مِنْ أَيَّامٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا كَالْوَصْفِ بِأُخَرَ لِأَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ فَعِدَّةٌ، فَلَا يُدْرَى أَهُوَ وَصْفٌ لِعِدَّةٍ، أَمْ لِأَيَّامٍ، وَذَلِكَ لِخَفَاءِ الْإِعْرَابِ لِكَوْنِهِ مَقْصُورًا، بِخِلَافِ: (أُخَرَ) فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ صِفَةٌ لِأَيَّامٍ لِاخْتِلَافِ إِعْرَابِهِ مَعَ إِعْرَابِ فَعِدَّةٌ، أَفَلَا يَنْصَرِفُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي النَّحْوِ، وَهِيَ جَمْعُ أُخْرَى مُقَابِلَةُ أُخَرَ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت