يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (إِذْ) بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُوَبِّخُ الْكَافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤَالِ الرُّسُلِ عَنْ إِجَابَتِهِمْ وَبِتَعَدُّدِ مَا أَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ الْعِظَامِ فَكَذَّبُوهُمْ وَسَمُّوهُمْ سحرة وجاوز واحد التَّصْدِيقِ إِلَى أَنِ اتَّخَذُوهُمْ آلِهَةً كَمَا قَالَ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَظْهَرَ عَلَى يَدِ عِيسَى مِنَ الْبَيِّنَاتِ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَاتَّخَذَهُ بَعْضُهُمْ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي (إِذْ) مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إذ.
وَقَالَ هُنَا بِمَعْنَى يَقُولُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ فِي الْقِيَامَةِ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ) انْتَهَى.
وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ إِذْ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ إِذْ قَالَ اللَّهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالذِّكْرِ هُنَا الْإِقْرَارُ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِعْلَامُ وَفَائِدَةُ هَذَا الذِّكْرِ إِسْمَاعُ الْأُمَمِ مَا خَصَّهُ بِهِ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ وَتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلَى جَاحِدِهِ.
وَقِيلَ أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ وَوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ.
قَالَ الْحَسَنُ ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا وَالنِّعْمَةُ هُنَا جِنْسٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذَا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النعم وأضافها إِلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِهَا وَنِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَهَا هُنَا وَفِي الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَمَرْيَمَ وَفِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَنِعْمَتُهُ عَلَى أُمِّهِ بَرَاءَتُهَا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهَا وَتَكْفِيلُهَا لِزَكَرِيَّا وَتَقَبُّلُهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَمَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ) إِلَى آخِرِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ أُمِّهِ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ صَائِرَةٌ إليه.
(تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي)
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْجُمَلِ وَالْقِرَاءَاتِ الَّتِي فِيهَا وَالْإِعْرَابُ وَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ جَاءَ هُنَاكَ (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ) .
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَتَنْفُخُهَا فَتَكُونُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَتَكُونُ بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ.
وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ فِيهَا فَيَكُونُ بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتٍ وَالضَّمِيرُ فِي (فِيها) قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ اضْطَرَبَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ قَالَ مَكِّيٌّ هُوَ فِي آلِ عِمْرَانَ عَائِدٌ عَلَى الطَّائِرِ وَفِي الْمَائِدَةِ عَائِدٌ عَلَى الْهَيْئَةِ.
قَالَ وَيَصِحُّ عَكْسُ هَذَا وَقَالَ غَيْرُهُ الضَّمِيرُ الْمَذْكُورُ عَائِدٌ عَلَى الطِّينِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَلَا يَصِحُّ عَوْدُ هَذَا الضَّمِيرِ لَا عَلَى الطِّينِ وَلَا عَلَى الْهَيْئَةِ لِأَنَّ الطَّيْرَ أَوِ الطَّائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطَّيْرُ عَلَى هَيْئَتِهِ لَا نَفْخَ فِيهِ ألْبَتَّةَ، وَكَذَلِكَ لَا نَفْخَ فِي هَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ وَكَذَلِكَ الطِّينُ إِنَّمَا هُوَ الطِّينُ الْعَامُّ وَلَا نَفْخَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَا يَرْجِعُ بَعْضُ الضَّمِيرِ إِلَى الْهَيْئَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نَفْخِهِ فِي شَيْءٍ وَكَذَلِكَ الضَّمِيرُ فِي يَكُونُ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ مَكِّيٍّ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ مَا فُهِمَ عَنْهُ بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ عَائِدًا عَلَى الطَّائِرِ لَا يُرِيدُ بِهِ الطَّائِرَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ الْهَيْئَةُ بَلِ الطَّائِرَ الَّذِي صَوَّرَهُ عِيسَى وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَإِذْ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا صُورَةً مِثْلَ صُورَةِ الطَّائِرِ الْحَقِيقِيِّ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا حَقِيقَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَائِدًا عَلَى الْهَيْئَةِ لَا يُرِيدُ بِهِ الْهَيْئَةَ الْمُضَافَةَ إِلَى الطَّائِرِ، بَلِ الْهَيْئَةَ الَّتِي تَكُونُ الْكَافُ صِفَةً لَهَا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَنْفُخُ فِيها أَيْ فِي الْهَيْئَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكَافِ الْمَنْسُوبِ خَلْقِهَا إِلَى عِيسَى، وَأَمَّا قَوْلُ مَكِّيٍّ وَيَصِحُّ عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُذَكَّرُ عَائِدًا عَلَى الْهَيْئَةِ وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ عَائِدًا عَلَى الطَّائِرِ فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ ذُكِّرَ الضَّمِيرِ وَإِنْ كَانَ عَائِدًا عَلَى مُؤَنَّثٍ لِأَنَّهُ لُحِظَ فِيهَا مَعْنَى الشَّكْلِ كَأَنَّهُ قَدَّرَ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ شَكْلًا كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وَأَنَّهُ أَنَّثَ الضَّمِيرِ وَإِنْ كَانَ عَائِدًا عَلَى مُذَكَّرٍ لِأَنَّهُ لُحِظَ فِيهِ مَعْنَى الْهَيْئَةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْوَجْهُ عَوْدُ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْآيَةُ ضَرُورَةً، أَيْ صُوَرًا أَوْ أَشْكَالًا أَوْ أَجْسَامًا، وَعَوْدُ الضَّمِيرِ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَخْلُقُ ثُمَّ قَالَ وَلَكَ أَنْ تُعِيدَهُ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَافُ فِي مَعْنَى الْمِثْلِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةٍ وَلَكَ أَنْ تُعِيدَ الضَّمِيرَ عَلَى الْكَافِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ اسْمًا فِي غَيْرِ الشِّعْرِ، فَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَحْدَهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، إِنَّ الضَّمِيرَ فِي فِيها لِلْكَافِ قَالَ لِأَنَّهَا صِفَةُ الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ يَخْلُقُهَا عِيسَى وَيَنْفُخُ فِيهَا
وَجَاءَ فِي آلِ عِمْرَانَ (بِإِذْنِ اللَّهِ) مَرَّتَيْنِ وَجَاءَ هُنَا (بِإِذْنِي) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عَقِيبَ أَرْبَعِ جُمَلٍ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِ النِّعْمَةِ وَالِامْتِنَانِ بِهَا فَنَاسَبَ الْإِسْهَابَ، وَهُنَاكَ مَوْضِعُ إِخْبَارٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَاسَبَ الْإِيجَازَ وَالتَّقْدِيرُ فِي (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى) تُحْيِي الْمَوْتَى فَعَبَّرَ بِالْإِخْرَاجِ عَنِ الْإِحْيَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (كَذلِكَ الْخُرُوجُ) بَعْدَ قَوْلِهِ (وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً.
(وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ)
أَيْ مَنَعْتُهُمْ مِنْ قَتْلِكَ حِينَ هَمُّوا بِكَ وَأَحَاطُوا بِالْبَيْتِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ.
وَلَمَّا فَصَّلَ تَعَالَى نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْسُوبًا لِعِيسَى دُونَ أُمِّهِ لِأَنَّ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةَ النُّبُوَّةِ وَظُهُورَ هَذِهِ الْخَوَارِقِ فَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْهَا عَلَى أُمِّهِ إِذْ وَلَدَتْ مِثْلَ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا:
شَهِدَ الْعَوَالِمُ أَنَّهَا لَنَفِيسَةٌ ... بِدَلِيلِ مَا وَلَدَتْ مِنَ النجباء
(فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (سَاحِرٌ) بِالْأَلِفِ هُنَا.
وَفِي هُودٍ وَالصَّفِّ فَهَذَا هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى عِيسَى.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ (سِحْرٌ) فَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى مِنَ الْبَيِّنَاتِ.