فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 4059

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) }

وَفِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ هُنَا أَقْوَالٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ، فَيَكُونُ الْكَاتِمُونَ أَحْبَارَ الْيَهُودِ، كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيَّرُوهَا، وَكَتَمُوا آيَاتٍ فِي التَّوْرَاةِ، كَآيَةِ الرجم وَشِبْهِ ذَلِكَ.

وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَوَحَّدَ اللَّفْظَ عَلَى الْمَكْتُوبِ، وَيَكُونُ الْكَاتِمُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِي الْكِتَابَيْنِ، وَنَعَتَهُ فِيهِمَا وَسَمَّاهُ فَقَالَ: يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ».

وَالطَّائِفَتَانِ أَنْكَرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَدْ شَهِدَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِذَلِكَ، وَالنُّصُوصُ مَوْجُودَةٌ فيهما، إلا أن فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي التَّوْرَاةِ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ، وَفِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الْخَامِسِ.

وَمِنْهَا فِي الْإِنْجِيلِ مَوَاضِعُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، قَدْ ذَكَرَ جَمِيعَهَا، مَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.

وَقِيلَ: الْكِتَابُ الْمَكْتُوبُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكُلُّ كَاتِمٍ لِحَقٍّ وَسَاتِرٍ لِأَمْرٍ مَشْرُوعٍ.

(وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)

لَمَّا تَعَوَّضُوا عَنِ الْكَتْمِ شَيْئًا مِنْ سُحْتِ الدُّنْيَا، أَشْبَهَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، لِانْطِوَائِهِمَا عَلَى عِوَضٍ وَمُعَوَّضٍ عَنْهُ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اشتراء.

وبه: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْكِتْمَانِ، أَوِ الْكِتَابِ، أَوْ عَلَى الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ: مَا أَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ، أَظْهَرُهَا الْآخِرُ، وَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بِكَتْمِ مَا أَنْزَلَ الله به.

وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، إِلَّا فِعْلَ الِاشْتِرَاءِ جُعِلَ عِلَّةً هُنَاكَ، وَهُنَا جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: (يَكْتُمُونَ) ، وَرَتَّبَ الْخَبَرَ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْكَتْمِ وَالِاشْتِرَاءِ، لِأَنَّ الْكَتْمَ لَيْسَتْ أَسْبَابُهُ مُنْحَصِرَةً فِي الِاشْتِرَاءِ، بَلِ الِاشْتِرَاءُ بَعْضُ أَسْبَابِهِ. فَكَتْمُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْكَارُ نُبُوَّتِهِ وَتَبْدِيلُ صِفَتِهِ، كَانَ لِأُمُورٍ مِنْهَا الْبَغْيُ، بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.

وَمِنْهَا الْخَسَارَةُ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْعَرَبِ لَا مِنْهُمْ.

وَمِنْهَا طَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَأَنْ يَسْتَتْبِعُوا أَهْلَ مِلَّتِهِمْ.

وَمِنْهَا تَحْصِيلُ أَمْوَالِهِمْ وَرِشَاءُ مُلُوكِهِمْ وَعَوَامِّهِمْ.

(أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)

أَتَى بِخَبَرِ إِنَّ جُمْلَةً، لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ الْمُفْرَدِ، وَصَدَّرَ بِأُولَئِكَ، إِذْ هُوَ اسْمُ إِشَارَةٍ دَالٌّ عَلَى اتِّصَافِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْأَوْصَافِ السَّابِقَةِ.

ثم أخبر عن أُولَئِكَ بِأَخْبَارٍ أَرْبَعَةٍ: الْأَوَّلُ: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)

فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ الرِّشَاءَ الَّتِي هُمْ يَأْكُلُونَهَا تَصِيرُ فِي أَجْوَافِهِمْ نَارًا، فَلَا يُحِسُّونَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ.

وَمَنَعَ تَعَالَى أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّهَا نَارٌ، اسْتِدْرَاجًا وَإِمْلَاءً لَهُمْ. وَيَكُونُ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ تَجَوُّزٍ، لِأَنَّهُ حَالَةَ الْأَكْلِ لَمْ يَكُنْ نَارًا، إِنَّمَا بَعْدُ صَارَتْ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا.

وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَيْضًا.

وَاخْتَلَفُوا فَقِيلَ:

جَمِيعُ مَا أَكَلُوهُ مِنَ السُّحْتِ وَالرِّشَاءِ فِي الدُّنْيَا يُجْعَلُ نَارًا فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ يُطْعِمُهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي النَّارِ.

وَقِيلَ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تُطْعِمَهُمُ النَّارَ لِيَكُونَ عُقُوبَةَ الْأَكْلِ مِنْ جِنْسِهِ.

وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ عَلَى مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ كَتْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَالِاشْتِرَاءِ بِهِ الثَّمَنَ الْقَلِيلَ، بِالنَّارِ. وَإِنَّ مَا اكْتَسَبُوهُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ.

وَعَبَّرَ بِالْأَكْلِ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَنَافِعِ مَا تُصْرَفُ فِيهِ الْأَمْوَالُ.

وَذَكَرَ فِي بُطُونِهِمْ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْبَطْنِ، فَصَارَ نَظِيرُ: (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) . أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ مَلْءِ الْبَطْنِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ أَكَلَ فِي بَطْنِهِ، وَفُلَانٌ أَكَلَ فِي بَعْضِ بَطْنِهِ. أَوْ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، إِذْ يُقَالُ: أَكَلَ فُلَانٌ مَالَهُ، إذا بَذَرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ.

وَجَعَلَ الْمَأْكُولَ النَّارَ، تَسْمِيَةً لَهُ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ سَبَبُ النَّارِ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ: أَكَلَ فُلَانٌ الدَّمَ، يُرِيدُونَ الدِّيَةَ، لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الدَّمِ.

قَالَ الشَّاعِرُ:

فَلَوْ أَنَّ حَيًّا يَقْبَلُ الْمَالَ فِدْيَةً ... لَسُقْنَا إِلَيْهِ الْمَالَ كَالسَّيْلِ مُفْعَمَا

وَلَكِنْ لَنَا قَوْمٌ أُصِيبَ أَخُوهُمُ ... رِضَا الْعَارِ وَاخْتَارُوا عَلَى اللَّبَنِ الدَّمَا

وَقَالَ آخَرُ:

أَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرْعَكَ بِضَرْبَةٍ ... بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

وَقَالَ آخَرُ:

تَأْكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَكَافَا أَيْ ثَمَنَ أَكَافٍ

وَمَعْنَى التَّلَبُّسِ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ كَثِيرٌ، وَمِنْ ذَلِكَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذهب والفضة، إنما يجرجر فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ فِي بُطُونِهِمْ تَنْبِيهًا على شرههم وَتَقْبِيحًا لِتَضْيِيعِ أَعْظَمِ النِّعَمِ لِأَجَلِ الْمَطْعُومِ الَّذِي هُوَ أحسن مُتَنَاوَلٍ.

قَالَهُ الرَّاغِبُ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ.

قَالَ: وَفِي ذِكْرِ الْبَطْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، بِأَنَّهُمْ بَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِحَظِّهِمْ مِنَ الْمَطْعَمِ الَّذِي لَا خَطَرَ لَهُ، وَعَلَى هِجْنَتِهِمْ بِطَاعَةِ بُطُونِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت