(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ)
هَذَا الْخَبَرُ الثَّانِي عَنْ أُولَئِكَ، وَظَاهِرُهُ نَفْيُ الْكَلَامِ مُطْلَقًا، أَعْنِي مُبَاشَرَتَهُمْ بِالْكَلَامِ، فَيَكُونُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فِي السُّنَّةِ، مِمَّا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى يُحَاوِرُهُمْ بِالْكَلَامِ، مُتَأَوَّلًا بِأَنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ يَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ تعالى: (قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) ، وَيَكُونُ فِي نَفْيِ كَلَامِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ، دَلَالَةٌ عَلَى الْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَضِبَ عَلَى شَخْصٍ صَرَمَهُ وَقَطَعَ كَلَامَهُ؟ لِأَنَّ فِي التَّكَلُّمِ، وَلَوْ كَانَ بِشَرٍّ، تَأْنِيسًا مَا وَالْتِفَاتًا إِلَى الْمُكَلَّمِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: أَيْ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَلَامِ، إِذْ قَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَا ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُكَلِّمُ الْكَافِرِينَ.
قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ، إِذْ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يكلمهم، كقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، وَالسُّؤَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّكْلِيمِ، وَقَالَ: قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. فَالْمَعْنَى: لَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامَ خَيْرٍ وَإِقْبَالٍ وَتَحِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامًا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يُرْسِلُ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ.
وَقِيلَ: وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، تَعْرِيضٌ بِحِرْمَانِهِمْ حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي تَكْرِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِكَلَامِهِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ، لِأَنَّ مَنْ كَلَّمْتَهُ، كُنْتَ قَدِ اسْتَدْعَيْتَ كَلَامَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُسْتَدْعَى كَلَامُهُمْ فَيَكُونُ نَحْوَ قَوْلِهِ: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، فَنَفَى الْكَلَامَ، وَهُوَ يُرَادُ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْكَلَامِ.
وَلا يُزَكِّيهِمْ: هَذَا هُوَ الْخَبَرُ الثَّالِثُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَقْبَلُ أَعْمَالَهُمْ كَمَا يَقْبَلُ أَعْمَالَ الْأَزْكِيَاءِ، أَوْ لَا يُنْزِلُهُمْ مَنْزِلَةَ الْأَزْكِيَاءِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يُصْلِحُ أَعْمَالَهُمُ الْخَبِيثَةَ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: زَكَّى فَلَانَا، إِذَا أَثْنَى عَلَيْهِ.
قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقِيلَ: لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَذَابِ.
قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يُسَمِّيهِمْ أَزْكِيَاءً.
(وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: هَذَا هُوَ الْخَبَرُ الرَّابِعُ لِأُولَئِكَ.
(فائدة)
وَنَاسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مَا قَبْلَهَا، وَمُنَاسِبٌ عَطْفُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، لِمَا نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: مَتَى ذُكِرَ وَصْفٌ وَرُتِّبَ عَلَيْهِ أَمْرٌ، فَلِلْعَرَبِ فِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُمُورُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْأَوْصَافِ مُقَابَلَةً لَهَا، الْأَوَّلُ مِنْهَا لِأَوَّلِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَالثَّانِي لِلثَّانِي، فَتَحْصُلُ الْمُقَابَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، حَيْثُ قُوبِلَ الْأَوَّلُ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي بِالثَّانِي.
وَتَارَةً يَكُونُ الْأَوَّلُ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ مُجَاوِرًا لِمَا يَلِيهِ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، فَتَحْصُلُ الْمُقَابَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لَا مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، وَهَذِهِ الْآيَةُ جَاءَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى اشْتِرَاءَهُمُ الثَّمَنَ الْقَلِيلَ، وَكَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ مَطَاعِمِهِمُ الْخَسِيسَةِ الْفَانِيَةِ، بَدَأَ أَوَّلًا فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) .
ثُمَّ قَابَلَ تَعَالَى كِتْمَانَهُمُ الدِّينَ وَالْكِتْمَانُ، هُوَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا بِهِ بَلْ يُخْفُوهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) ، فَجُوزُوا عَلَى مَنْعِ التَّكَلُّمِ بِالدِّينِ أَنْ مُنِعُوا تَكْلِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَابْتَنَى عَلَى كِتْمَانِهِمُ الدِّينَ، وَاشْتِرَائِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَنَّهُمْ شُهُودُ زُورٍ وَأَخْبَارُ سُوءٍ، حَيْثُ غَيَّرُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَادَّعُوا أَنَّ النَّبِيَّ الْمُبْتَعَثَ هُوَ غَيْرُ هَذَا، فَقُوبِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ: (وَلا يُزَكِّيهِمْ) .
ثُمَّ ذَكَرَ أَخِيرًا مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَرَتَّبَ عَلَى اشْتِرَاءِ الثَّمَنِ الْقَلِيلِ قوله: (ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) ، وَعَلَى الْكِتْمَانِ قَوْلَهُ: (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) ، وَعَلَى مَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ قَوْلَهُ: (وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) . فَبَدَأَ أَوَّلًا: بِمَا يُقَابِلُ فَرْدًا فَرْدًا، وَثَانِيًا: بِمَا يُقَابِلُ الْمَجْمُوعَ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأَوْلَى مُشْتَمِلَةً عَلَى فِعْلٍ مُسْنَدٍ إِلَى اللَّهِ، كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَابَلَهَا فِيهِ فِعْلٌ مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ مُسْنَدَةً إِلَيْهِمْ، لَيْسَ فِيهَا إِسْنَادٌ إِلَى اللَّهِ، جَاءَتِ الْجُمْلَةُ الْمُقَابَلَةُ لَهَا مُسْنَدَةً إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ مَا يُطْعِمُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.
وَنَاسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا إِبَاحَةَ الطَّيِّبَاتِ، ثُمَّ فَصَّلَ أَشْيَاءً مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ جَزَاءَ مَنْ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَمِمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا أَنْ يَقَعَ الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، من كتم ما أنزل اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَاشْتِرَائِهِمْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.