وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ: هَلِ الْمِثْلِيَّةُ فِي الْإِصَابَةِ مِنْ قَتْلٍ وَأَسْرٍ، أَوْ مِنْ قَتْلٍ، أَوْ مِنْ هَزِيمَةٍ؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ. لِأَنَّ قَوْلَهُ: (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) هُوَ عَلَى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِإِدَالَتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالتَّسْلِيَةِ لَهُمْ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْأَبْلَغِ فِي التَّسْلِيَةِ. وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ أَبْلَغُ فِي الْمِنَّةِ وَفِي التَّسْلِيَةِ.
وَأَدْعَى إِلَى أَنْ يَذْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السَّابِقَةَ، وَأَنْ يَتَنَاسَوْا مَا جَرَى عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
(قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا)
قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ لِمَا أَصَابَهُمْ، وَالْمَعْنَى: كَيْفَ أَصَابَنَا هَذَا وَنَحْنُ نُقَاتِلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَقَدْ وُعِدْنَا بِالنَّصْرِ وَإِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ؟! فَاسْتَفْهَمُوا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ عَنْ ذَلِكَ. وَأَنَّى سُؤَالٌ عَنِ الْحَالِ هُنَا، وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا بِمَعْنَى أَيْنَ أَوْ مَتَى.
لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْمَكَانِ وَلَا عَنِ الزَّمَانِ هُنَا، إِنَّمَا الِاسْتِفْهَامُ وَقَعَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لَهُمْ ذَلِكَ، سَأَلُوا عَنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْجَوَابَ يَأْتِي عَلَى حَسَبِ السُّؤَالِ مُطَابِقًا لَهُ فِي اللَّفْظِ، وَمُرَاعًى فِيهِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظُ.
وَالسُّؤَالُ بِأَنَّى سُؤَالٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ هَذَا الْأَمْرِ، وَالْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) يَتَضَمَّنُ تَعْيِينَ الْكَيْفِيَّةِ، لِأَنَّهُ بِتَعْيِينِ السَّبَبِ تَتَعَيَّنُ الْكَيْفِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. لَوْ قِيلَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ: كَيْفَ لَا يَحُجُّ زَيْدٌ الصَّالِحُ، وَأُجِيبَ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: بِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ حَصَلَ الْجَوَابُ وَانْتَظَمَ مِنَ الْمَعْنَى، أَنَّهُ لَا يَحُجُّ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ.
(إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
أَيْ قَادِرٌ عَلَى النَّصْرِ، وَعَلَى مَنْعِهِ، وَعَلَى أَنْ يُصِيبَ بِكُمْ تَارَةً، وَيُصِيبَ مِنْكُمْ أُخْرَى. وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ كَانَ لِوَهَنٍ فِي دِينِهِمْ، لَا لِضَعْفٍ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ قَادِرٌ عَلَى دِفَاعِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ.