{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ: أَضَافَ عِيسَى إِلَى أُمِّهِ رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ فِيمَا أَضَافُوهُ إِلَيْهِ.
الْبَيِّناتِ: وَهِيَ الْحُجَجُ الْوَاضِحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيلَ: الْإِنْجِيلُ.
وَقِيلَ: الْحُجَجُ الَّتِي أَقَامَهَا اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ.
وَقِيلَ: إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَالْإِخْبَارُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ: سَامُ بْنُ نُوحٍ، وَالْعَازِرُ، وَابْنُ الْعَجُوزِ، وَبِنْتُ الْعِشَارِ، وَمِنَ الطَّيْرِ: الْخُفَّاشُ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ عِيسَى، بَلْ هُوَ صُورَةٌ، وَاللَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ.
وَقِيلَ: كَانَ قَبْلَهُ، فَوَضَعَ عِيسَى عَلَى مِثَالِهِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا اخْتُصَّ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الطَّيْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ أَشَدَّ خَلْقًا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَحْمٌ كُلُّهُ. وَأَجْمَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الرُّسُلِ، وَفَصَّلَ ذِكْرَ عِيسَى، لِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ كَانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسَى، وَأَمَّا عِيسَى فَنَسَخَ شَرْعُهُ كَثِيرًا مِنْ شَرْعِ مُوسَى.
(بِرُوحِ الْقُدُسِ)
وَتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى جِسْمِهِ الرُّوحَانِيَّةُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ الدِّينُ، كَمَا يَحْيَا الْبَدَنُ بِالرُّوحِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ، أَوْ لِتَكْوِينِهِ رُوحًا مِنْ غَيْرِ وِلَادَةٍ.
وَتَأْيِيدُ اللَّهِ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِإِظْهَارِ حُجَّتِهِ وَأَمْرِ دِينِهِ، أَوْ لِدَفْعِ الْيَهُودِ عَنْهُ، إِذْ أَرَادُوا قَتْلَهُ، أَوْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
وَاخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ: بِالرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ.
قَالَ: كَمَا يُقَالُ حَاتِمُ الْجُودِ، وَرَجُلُ صِدْقٍ. وَوَصَفَهَا بالقدس كَمَا قَالَ: وَرُوحٌ مِنْهُ، فَوَصَفَهُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْكَرَامَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْقُدُسِ أَنَّهُ الطَّهَارَةُ أَوِ الْبَرَكَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: الْقُدُسُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْقُدُّوسِ.
قَالُوا:
وَإِطْلَاقُ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ وَعَلَى الْإِنْجِيلِ وَعَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الرِّيحُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَخَارِقِ الْإِنْسَانِ فِي مَنَافِذِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَا كَانَتْ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهَا أُطْلِقَ الرُّوحُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ، فَجِبْرِيلُ هُوَ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ بِالْعُلُومِ، وَالْإِنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَحَيَاتِهَا، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ سَبَبٌ لِأَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ. وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالرُّوحِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أَظْهَرُ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَيَّدْنَاهُ: قَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ، وَإِسْنَادُهَا إِلَى جِبْرِيلَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَى الْإِنْجِيلِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ. وَلِأَنَّ اخْتِصَاصَ عِيسَى بِجِبْرِيلَ مِنْ آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلَادَتِهِ، وتولد عِيسَى بِنَفْخِهِ، وَرَبَّاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ، وَكَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
(أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ)
وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْهَوَى فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَأُسْنِدَ الْهَوَى إِلَى النَّفْسِ، وَلَمْ يُسْنَدْ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، فَكَانَ يَكُونُ بِمَا لَا تَهْوَوْنَ إِشْعَارًا بِأَنَّ النَّفْسَ يُسْنَدُ إِلَيْهَا غَالِبًا الْأَفْعَالُ السَّيِّئَةُ (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ) .
(وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)
وَأَتَى بِفِعْلِ الْقَتْلِ مُضَارِعًا، إِمَّا لكونه حكيت أنه الْحَالُ الْمَاضِيَةُ، إِنْ كَانَتْ أُرِيدَتْ فَاسْتُحْضِرَتْ فِي النُّفُوسِ، وَصُوِّرَ حَتَّى كَأَنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ مَشْرُوعٌ فِيهِ، وَلِمَا فيه من مناسبة رءوس الْآيِ الَّتِي هِيَ فَوَاصِلُ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، لِأَنَّهُمْ يَرُومُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ سَحَرُوهُ وَسَمُّوهُ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي» .
وَكَانَ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ قَتْلُ أَنْبِيَائِهِمْ، لِأَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْمَكْتُوبَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَقَدْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالنَّصْرِ لَهُ، يَرُومُونَ قَتْلَهُ. فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَقَدُّمُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ؟ فَقَتْلُهُ عِنْدَهُمْ أَوْلَى.