فهرس الكتاب

الصفحة 3052 من 4059

{قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(106)فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ(107)وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ(108)}

لَمَّا عَرَضَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رِسَالَتَهُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِهِ وَهُوَ مَجِيئُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْخَارِقِ الْمُعْجِزِ اسْتَدْعَى فِرْعَوْنُ مِنْهُ خَرْقَ الْعَادَةِ الدَّالَّ عَلَى الصِّدْقِ وَهَذَا الِاسْتِدْعَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِبَارِ وَتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أَنَّ مُوسَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَيِّنَةٍ وَالْمَعْنَى إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ فَأَحْضِرْهَا عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْوَاكَ ويثبت صدقك.

(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ)

بَدَأَ بِالْعَصَا دُونَ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ لِأَنَّهَا مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلَى مُعْجِزَاتٍ كَثِيرَةٍ

قَالُوا مِنْهَا أَنَّهُ ضَرَبَ بِهَا بَابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِنْ قَرْعِهَا فَشَابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوَادِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ وَانْقِلَابُهَا ثُعْبَانًا وَانْقِلَابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا وَدَمًا قَائِمًا بِهِ الْحَيَاةُ مِنْ أَعْظَمِ الْإِعْجَازِ وَيَحْصُلُ مِنِ انْقِلَابِهَا ثُعْبَانًا مِنَ التَّهْوِيلِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهِ وَضَرْبُهُ بِهَا الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا وَضَرْبُهُ بِهَا فَتُنْبِتُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَمُحَارَبَتُهُ بِهَا اللُّصُوصَ وَالسِّبَاعَ الْقَاصِدَةَ غَنَمَهُ وَاشْتِعَالُهَا فِي اللَّيْلِ كَاشْتِعَالِ الشَّمْعَةِ وَصَيْرُورَتِهَا كَالرِّشَا لِيَنْزَحَ بِهَا الْمَاءَ مِنَ الْبِئْرِ الْعَمِيقَةِ وَتَلَقُّفُهَا الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ وَإِبْطَالُهَا لِمَا صَنَعُوهُ مِنْ كَيْدِهِمْ وَسِحْرِهِمْ [1] .

وَالْإِلْقَاءُ حَقِيقَةٌ هُوَ فِي الْأَجْرَامِ وَمَجَازٌ فِي الْمَعَانِي نَحْوُ أَلْقَى الْمَسْأَلَةَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: صَارَتِ الْعَصَا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْرَاءَ فَاغِرَةً فَاهَا مَا بَيْنَ لِحْيَيْهَا ثَمَانُونَ ذِرَاعًا.

وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ وَاضِعَةً أَحَدَ لِحْيَيْهَا بِالْأَرْضِ وَالْآخَرَ عَلَى سُورِ الْقَصْرِ وَذَكَرُوا مِنِ اضْطِرَابِ فِرْعَوْنَ وَفَزَعِهِ وَهَرَبِهِ وَوَعْدِهِ مُوسَى بِالْإِيمَانِ إِنْ عَادَتْ إِلَى حَالِهَا وَكَثْرَةِ مَنْ مَاتَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أَشْيَاءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إِلَيْهَا الْآيَةُ وَلَا تَثْبُتْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا.

وَمَعْنَى (مُبِينٌ) ظَاهِرٌ لَا تَخْيِيلَ فِيهِ بَلْ هُوَ ثُعْبَانٌ حَقِيقَةً.

(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ)

أَيْ جَذَبَ يَدَهُ قِيلَ مِنْ جَيْبِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ)

وقيل من كمّه و (لِلنَّاظِرِينَ) أَيْ لِلنُّظَّارِ، وَفِي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ بَيَاضِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهَا لِلنُّظَّارِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَاضُهَا عَجِيبًا خَارِجًا عَنِ الْعَادَةِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ النُّظَّارُ لِلْعَجَائِبِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْضاءُ كَاللَّبَنِ أَوْ أَشُدُّ بَيَاضًا.

وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تَظْهَرُ منيرة شفافة كَالشَّمْسِ ثُمَّ يَرُدُّهَا فَتَرْجِعُ إِلَى لَوْنِ مُوسَى وَكَانَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَارَتْ نُورًا سَاطِعًا يُضِيءُ لَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَهُ لَمَعَانٌ مِثْلُ لَمَعَانِ الْبَرْقِ فَخَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ يَا فِرْعَوْنُ مَا هَذِهِ بِيَدِي قَالَ: هِيَ عَصَا فَأَلْقَاهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ.

وَرُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى يَدَ مُوسَى فَقَالَ لِفِرْعَوْنَ مَا هَذِهِ فَقَالَ: يَدُكَ ثُمَّ أَدْخَلَهَا جَيْبَهُ وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ وَنَزَعَهَا فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ بَيَاضًا نُورَانِيًّا غَلَبَ شُعَاعُهَا شُعَاعَ الشَّمْسِ.

وَمَا أَعْجَبَ أَمْرَ هَذَيْنِ الْخَارِقَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ

وَالْآخَرُ فِي غَيْرِ نَفْسِهِ وَهِيَ الْعَصَا، وَجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرَّاتِ وَتَبَدُّلَ الْأَعْرَاضِ فَكَانَا دَالَّيْنِ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ وَإِنَّهُمَا كِلَاهُمَا مُمْكِنُ الْوُقُوعِ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَرَضَهُمَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمُعَارَضَةِ وَدَعَا إِلَى اللَّهِ بِهِمَا وَخَرَقَ الْعَادَةَ بِهِمَا وَتَحَدَّى النَّاسَ إِلَى الدِّينِ بِهِمَا فَإِذَا جَعَلْنَا التَّحَدِّيَ الدُّعَاءَ إِلَى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِمَا تَحَدَّى وَإِذَا جَعَلْنَا التَّحَدِّيَ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ وَظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ الْعَصَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ وَالْمُعْجِزَ فِيهَا وَقَعَا وَيُقَالُ: التَّحَدِّي هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْمُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثَالِثٌ وَعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسَى بِالْآيَتَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ عَرَضَهُمَا مَعًا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِمَا انْتَهَى.

وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ.

[1] لا يخفى ما فيه من بعدٍ بعيدٍ، والظاهر أنه من الإسرائيليات المنكرة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت