فهرس الكتاب

الصفحة 2765 من 4059

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(73)}

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِلَى جَزَائِهِ يَحْشُرُ الْعَالَمَ وَهُوَ مُنْتَهَى مَا يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ ذَكَرَ مُبْتَدَأَ وُجُودِ الْعَالَمِ وَاخْتِرَاعِهِ لَهُ (بِالْحَقِّ) أَيْ بِمَا هُوَ حَقٌّ لَا عَبَثَ فِيهِ وَلَا هُوَ بَاطِلٌ أَيْ لَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلًا وَلَا عَبَثًا بَلْ صَدَرَا عَنْ حِكْمَةٍ وَصَوَابٍ وَلِيُسْتَدَلَّ بِهِمَا عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ إِذْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ الْعَظِيمَةُ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا سِمَاتُ الْحُدُوثِ لَا بُدَّ لَهَا مَنْ مُحْدِثٍ وَاحِدٍ عَالِمٍ قَادِرٍ مُرِيدٍ سُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَلَا.

وَقِيلَ: مَعْنَى (بِالْحَقِّ) بِكَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ كُنْ وَفِي قَوْلِهِ: (ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) وَالْمُرَادُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ إِنَّمَا هُوَ إِظْهَارُ انْفِعَالِ مَا يُرِيدُ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِبْرَازُهُ لِلْوُجُودِ بِسُرْعَةٍ وَتَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ مَا يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ.

(وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ)

جَوَّزُوا فِي (يَوْمَ) أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِمَفْعُولِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَقَدَّرُوهُ وَاذْكُرِ الْإِعَادَةَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ. أَيْ يَوْمَ يَقُولُ لِلْأَجْسَادِ كُنْ مُعَادَةً وَيَتِمُّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كُنْ) ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَكُونُ (قَوْلُهُ الْحَقُّ) الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا إِخْبَارًا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فاعلا بفيكون أَوْ يَتِمُّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كُنْ فَيَكُونُ) وَيَكُونُ (قَوْلُهُ الْحَقُّ) مُبْتَدَأً وَخَبَرًا.

وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ مَا قاله الزمخشري وهو أن (قَوْلُهُ الْحَقُّ) مُبْتَدَأٌ و (الْحَقُّ) صفة له ويَوْمَ يَقُولُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ فَيَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقِرٍ كَمَا تَقُولُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ الْقِتَالُ وَالْيَوْمُ بِمَعْنَى الْحِينِ.

وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ قَائِمًا بِالْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ وَحِينَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُنْ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَالْحِكْمَةُ. أَيْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ من السماوات وَالْأَرْضِ وَسَائِرِ الْمُكَوَّنَاتِ إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ وَصَوَابٍ.

(وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)

وَتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ كَتَخْصِيصِهِ بِقَوْلِهِ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وَبِقَوْلِهِ: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) وَفَائِدَتُهُ الْإِخْبَارُ بِانْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ حِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى فِيهِ مُلْكٌ.

(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)

والْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يَعُمَّانِ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ.

(وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)

لَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ الْخَلْقِ وَسُرْعَةَ إِيجَادِهِ لِمَا يَشَاءُ وَتَضَمُّنَ الْبَعْثِ إِفْنَاءَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ نَاسَبَ ذِكْرَ الْوَصْفِ بِالْحَكِيمِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ نَاسَبَ ذِكْرَ الْوَصْفِ بِالْخَبِيرِ إِذْ هِيَ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى عِلْمِ مَا لَطُفَ إدراكه من الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت