فهرس الكتاب

الصفحة 1602 من 4059

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45)}

وَتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ قَبْلَ هَذَا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وَبِالْأَمْنِ بِالْعِبَادَةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَاللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذَا التَّبْشِيرِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، وَلَا يَجْرِي لِامْرَأَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ أَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَهَا، وَكَانَ جَرْيُ ذَلِكَ الْخَارِقِ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ لَهَا أَيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذَا الْخَارِقِ.

وَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلَا أَبٍ.

وَقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ.

وَقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ فِي كِتَابِهِ التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ السَّابِقَةِ.

وَفِي التَّوْرَاةِ: أَتَانَا اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جبال فاران. وساعير هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنْهُ الْمَسِيحُ.

وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.

وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى وَفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ: (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) فَجَاءَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ.

وَقِيلَ: سَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَمَا سَمَّى مَنْ شَاءَ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُنَاسِبَةٌ.

وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهَا عِيسَى، بَلِ الْكَلِمَةُ بِشَارَةُ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسَى.

وَقِيلَ: بِشَارَةُ النَّبِيِّ لَهَا.

(اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)

الضَّمِيرُ فِي اسْمِهِ، عَائِدٌ عَلَى: الْكَلِمَةُ، عَلَى مَعْنَى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنْهُ، أَوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ.

وَسُمِّيَ: الْمَسِيحَ، لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، أَوْ: بِالدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وَهُوَ دُهْنٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ إِذَا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. أَوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَنَاحِهِ أَوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِمَا خَمْصٌ، وَالْأَخْمَصُ مَا تَجَافَى عَنِ الْأَرْضِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ، وَكَانَ عِيسَى أَمْسَحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمُصَ له.

قال الشاعر:

بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزَّلَمْ ... خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ

أَوْ: لِمَسْحِ الْجِمَالِ إِيَّاهُ وَهُوَ ظُهُورُهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِنْ مَلَاحَةٍ

أَوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الْأَقْذَارِ الَّتِي تَنَالُ الْمَوْلُودِينَ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ لَا تَحِيضُ وَلَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفَاسٍ. أَقْوَالٌ سَبْعَةٌ.

وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيهَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الْمَسِيحِ، لِلْغَلَبَةِ مِثْلُهَا فِي: الدَّبَرَانُ وَالْعَيُّوقُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: فَعِيلٌ، مَبْنِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ.

وَقِيلَ: مِنَ الْمِسَاحَةِ، وَكَانَ يَجُولُ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُهَا.

وَقِيلَ: هُوَ مُفْعِلٌ مِنْ سَاحَ يَسِيحُ مِنَ السِّيَاحَةِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ: الْمَسِيحُ: الصِّدِّيقُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: الْمَسِيحُ: الْمَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَكَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هُوَ مُشْتَقًّا مِنَ الْمَسْحِ وَلَا مِنَ السِّيَاحَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْأَبْنَاءُ يُنْسَبُونَ إِلَى الْآبَاءِ، وَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لَهَا إِعْلَامًا أَنَّهُ يُولَدُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَلَا يُنْسَبُ إِلَّا إِلَيْهَا.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسَى، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسَى الْمَسِيحُ، لِأَنَّ الصِّفَةَ تَابِعَةٌ لِمَوْصُوفِهَا. انْتَهَى.

وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَالْمَسِيحَ مِنْ صِفَةِ الْمَدْلُولِ لَا مِنْ صِفَةِ الدَّالِ، إِذْ لَفْظُ عِيسَى لَيْسَ الْمَسِيحَ.

وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا اسْمَانِ تَقَدَّمَ الْمَسِيحُ عَلَى عِيسَى لِشُهْرَتِهِ.

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ: وَإِنَّمَا بَدَأَ بِلَقَبِهِ لِأَنَّ: الْمَسِيحَ، أَشْهَرُ مِنْ: عِيسَى، لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ عَلَى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وَعِيسَى قَدْ يَقَعُ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْقَابَ الْخُلَفَاءِ أَشْهَرُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ لَقَبٌ لَا اسْمٌ.

(وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَجِيهُ ذُو الْجَاهِ، يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وَجَاهَةً.

وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْوَجِيهُ الْمُحَبُّ الْمَقْبُولُ.

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو الْقَدْرِ وَالْجَاهِ.

وَقِيلَ: الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَسْأَلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وَجْهِهِ.

وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ عِيسَى أَنَّ وَجَاهَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِنُبُوَّتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ.

وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِالطَّاعَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ.

وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكَمَةِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ.

وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا كَرِيمًا لَا يُرَدُّ وَجْهُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ فِي عِلْيَةِ الْمُرْسَلِينَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْوَجَاهَةُ فِي الدُّنْيَا النُّبُوَّةُ وَالتَّقَدُّمُ عَلَى النَّاسِ، وَفِي الْآخِرَةِ الشَّفَاعَةُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَةِ فِي الْجَنَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَجَاهَةُ عِيسَى فِي الدُّنْيَا نُبُوَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَرَفْعُهُ، وَفِي الآخرة مكانتُه ونعيمُه وَشَفَاعَتُهُ.

(وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)

مَعْنَاهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَوْنُهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفع إِلَى السَّمَاءِ وَصَحِبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقِيلَ: مِنَ النَّاسِ بِالْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ.

قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْمُبَالَغُ فِي تَقْرِيبِهِمْ، لِأَنَّ فَعُلَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، فَقَالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَقْرِيبِهِ انْتَهَى.

وَلَيْسَ فَعُلَ هُنَا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَحْوِ: جرّحت زيدا و: موّت النَّاسَ.

وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَجِيهًا) وَتَقْدِيرُهُ: وَمُقَرَّبًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِينَ.

أَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ عِيسَى مِنْهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت