فهرس الكتاب

الصفحة 3335 من 4059

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ(21)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22)}

ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ هُوَ الْفَائِزُ الظَّافِرُ بِأُمْنِيَتِهِ، النَّاجِي مِنَ النَّارِ (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ فِي الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً انْتَهَى.

وَأُسْنِدَ التَّبْشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ: (رَبُّهُمْ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ مَالِكَ أَمْرِهِمْ وَالنَّاظِرَ فِي مَصَالِحِهِمْ هُوَ الَّذِي يُبَشِّرُهُمْ، فَذَلِكَ عَلَى تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِمْ لِرَبِّهِمْ.

وَلَمَّا كَانَتِ الْأَوْصَافُ الَّتِي تَحَلَّوْا بِهَا وَصَارُوا بِهَا عَبِيدَهَ حَقِيقَةً هِيَ ثَلَاثَةٌ: الْإِيمَانُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْجِهَادُ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، قُوبِلُوا فِي التَّبْشِيرِ بِثَلَاثَةٍ: الرَّحْمَةِ، وَالرِّضْوَانِ، وَالْجَنَّاتِ.

فَبَدَأَ بِالرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا الْوَصْفُ الْأَعَمُّ النَّاشِئُ عَنْهَا تَيْسِيرُ الْإِيمَانِ لَهُمْ، وَثَنَّى بِالرِّضْوَانِ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ مِنْ إِحْسَانِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْجِهَادِ، إِذْ هو بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجَنَّاتِ لِأَنَّ رِضَا اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ أَفْضَلُ مِنْ إِسْكَانِهِمُ الْجَنَّةَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا كَيْفَ لَا نَرْضَى وَقَدْ بَاعَدْتَنَا عَنْ نَارِكَ وَأَدْخَلْتَنَا جَنَّتَكَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وَمَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضَائِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهَا» وَأَتَى ثَالِثًا بِقَوْلِهِ: (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ)

أَيْ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ.

وَهَذَا مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ «وَهَاجَرُوا» لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أوطانهم التي نشأوا فِيهَا وَكَانُوا فِيهَا مُنَعَّمِينَ، فَآثَرُوا الْهِجْرَةَ عَلَى دَارِ الْكُفْرِ إِلَى مُسْتَقَرِّ الْإِيمَانِ وَالرِّسَالَةِ، فَقُوبِلُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْجَنَّاتِ ذَوَاتِ النَّعِيمِ الدَّائِمِ، فَجَاءَ التَّرْتِيبُ فِي أَوْصَافِهِمْ عَلَى حَسَبِ الْوَاقِعِ: الْإِيمَانُ، ثُمَّ الْهِجْرَةُ، ثُمَّ الْجِهَادُ.

وَجَاءَ التَّرْتِيبُ فِي الْمُقَابِلِ عَلَى حَسَبِ الْأَعَمِّ، ثُمَّ الْأَشْرَفِ، ثُمَّ التَّكْمِيلِ.

قَالَ التَّبْرِيزِيُّ: وَنَكَّرَ الرَّحْمَةَ وَالرِّضْوَانَ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ.

(بِرَحْمَةٍ) أَيْ: رَحْمَةٍ لَا يَبْلُغُهَا وَصْفُ وَاصِفٍ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: (يَبْشُرُهُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ خَفِيفَةً.

وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: (وَرُضْوَانٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ آلِ عِمْرَانَ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَالضَّادِ مَعًا.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَجُوزُ هَذَا انْتَهَى.

وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، فَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ: سُلُطَانٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَأَوْرَدَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ فِي أَبْنِيَةِ الْأَسْمَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت