لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ النَّارِ، ذَكَرَ مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، لِيُظْهِرَ تَبَايُنَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَلَمَّا كَانَ حَالُ الْمُؤْمِنِينَ مُعْتَنًى بِهِ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، جَعَلَ مَا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ فِي الْآخِرَةِ كَأَنَّهُمْ مُسْتَقِرُّونَ فِيهِ فِي الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ جَاءَ: (ادْخُلُوهَا) عَلَى قِرَاءَةِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ فِي الشَّيْءِ لَا يُقَالُ لَهُ: أُدْخِلَ فِيهِ.
وَجَاءَ حَالُ الْغَاوِينَ مَوْعُودًا بِهِ فِي قَوْلِهِ: (لَمَوْعِدُهُمْ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا.
وَالْعُيُونُ: جَمْعٌ عَيْنٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو عُمَرَ، وَحَفْصٌ، وَهِشَامٌ: (وَعُيُونٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِهَا.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (أُدْخِلُوهَا) مَاضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الْإِدْخَالِ.
وَقَرَأَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَةِ رُوَيْسٍ كَذَلِكَ، وَبِضَمِّ التَّنْوِينِ، وَعَنْهُ فَتْحُهُ.
وَمَا بَعْدَهُ أَمْرٌ عَلَى تَقْدِيرٍ: أَدْخِلُوهَا إِيَّاهُمْ مِنَ الْإِدْخَالِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِإِدْخَالِ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّةَ، وَتَسْقُطُ الْهَمْزَةُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (ادْخُلُوهَا) أَمْرٌ مِنَ الدُّخُولِ.
فَعَلَى قِرَاءَتَيِ الْأَمْرِ، ثَمَّ مَحْذُوفٌ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ، أَوْ يُقَالُ للملائكة.
و (بسلام) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَصْحُوبِينَ بِالسَّلَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مُسَلَّمًا عَلَيْكُمْ أَيْ: مُحَيَّوْنَ، كَمَا حُكِيَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
(وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)
تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَعْرَافِ.
وَمَعْنَى (إِخْوَانًا) ذَوُو تَوَاصُلٍ وَتَوَادُدٍ.
وَ (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) حَالَانِ. وَالْقُعُودُ عَلَى السَّرِيرِ: دَلِيلٌ عَلَى الرِّفْعَةِ وَالْكَرَامَةِ التَّامَّةِ كَمَا قَالَ: يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَى سُرُرٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مُتَقَابِلِينَ مُتَسَاوِينَ فِي التَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: لَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى قَفَا بَعْضٍ، تَدُورُ بِهِمُ الْأَسِرَّةُ حَيْثُ مَا دَارُوا، فَيَكُونُونَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ مُتَقَابِلِينَ انْتَهَى.
وَلَمَّا كَانَتِ الدُّنْيَا مَحَلَّ تَعَبٍ بِمَا يُقَاسَى فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمَعِيشَةِ، وَمُعَانَاةِ التَّكَالِيفِ الضَّرُورِيَّةِ لِحَيَاةِ الدُّنْيَا وَحَيَاةِ الْآخِرَةِ، وَمُعَاشَرَةِ الْأَضْدَادِ، وَعُرُوضِ الْآفَاتِ وَالْأَسْقَامِ، وَمَحَلَّ انْتِقَالٍ مِنْهَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى مَخُوفٌ أَمْرُهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِ، لَا مَحَلَّ إِقَامَةٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) .
وَإِذَا انْتَفَى الْمَسُّ، انْتَفَتِ الدَّيْمُومَةُ. وَأَكَّدَ انْتِفَاءَ الْإِخْرَاجِ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِي: (بِمُخْرَجِينَ) .
وَقِيلَ: لِلثَّوَابِ أَرْبَعُ شَرَائِطَ أَنْ يَكُونَ مَنَافِعَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) خَالِصَةً عَنْ مَظَانِّ الشَّوَائِبِ الرُّوحَانِيَّةِ: كَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالْغِلِّ، وَالْجُسْمَانِيَّةِ كَالْإِعْيَاءِ، وَالنَّصَبِ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَنَزَعْنَا) إِلَى (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) دَائِمَةٌ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ قَوْلَهُ (وَنَزَعْنَا) الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي أَبِي بِكْرٍ وَعُمَرَ، وَالْغِلُّ غِلُّ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ بَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ وَهَاشِمٍ أَضْغَانٌ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَحَابُّوا.