{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) }
وَالْبَاءُ فِي: بِقِنْطَارٍ، وَفِي: بِدِينَارٍ قِيلَ: لِلْإِلْصَاقِ.
وَقِيلَ: بِمَعْنَى عَلَى، إِذِ الْأَصْلُ أَنْ تَتَعَدَّى بِـ (عَلَى) ، كَمَا قَالَ (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) وَقَالَ: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ)
وَقِيلَ: بِمَعْنَى (فِي) أَيْ: فِي حِفْظِ قِنْطَارٍ، وَفِي حِفْظِ دِينَارٍ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِنْطَارَ وَالدِّينَارَ مِثَالَانِ لِلْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، فَيَدْخُلُ أَكْثَرُ مِنَ الْقِنْطَارِ وَأَقَلُّ. وَفِي الدِّينَارِ أَقَلُّ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويحتمل أن يُرِيدَ طِبْقَهُ يَعْنِي فِي الدِّينَارِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي دِينَارٍ فَمَا زَادَ، وَلَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ الْخَائِنِينَ فِي: أَقَلَّ، إِذْ هُمْ طُغَّامٌ حُثَالَةٌ. انْتَهَى.
وَمَعْنَى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا)
قَالَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزَّجَّاجُ، وَالْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَقَاضِيًا بِأَنْوَاعِ التَّقَاضِي مِنَ: الْخَفْرِ، وَالْمُرَافَعَةِ إِلَى الْحُكَّامِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ هَيْئَةَ الْقِيَامِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِيَامِ الْمَرْءِ عَلَى أَشْغَالِهِ: أَيِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَذَلِكَ نهاية الخفر، لأن مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي صَدَدِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ.
وَذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَانْتَزَعُوا مِنَ الْآيَةِ جَوَازَ السِّجْنِ، لِأَنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ هُوَ يَمْنَعُهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ فِي غَيْرِ الْقَضَاءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ السِّجْنِ.
وَقِيلَ: قَائِمًا بوجهك فيهابك وَيَسْتَحِي مِنْكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَى: دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، أَيْ: مُسْتَعْلِيًا، فَإِنِ اسْتَلَانَ جَانِبُكَ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْكَ أَمَانَتَكَ.