وَظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطَرَ وَالتَّفْجِيرَ عَلَى الْعَادَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ أَيْ: مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى فَلَا أَغْرَقُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْكُفْرِ، وَعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأَبِيهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ.
قِيلَ: وَالْجَبَلُ الَّذِي عَنَاهُ طُورُ زَيْتَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَالظَّاهِرُ إِبْقَاءُ (عَاصِمَ) عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّهُ نَفَى كُلَّ عَاصِمٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّ (مَنْ رَحِمَ) يَقَعُ فِيهِ مَنْ عَلَى الْمَعْصُومِ.
وَالضَّمِيرُ الْفَاعِلُ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا أَيْ: لَكِنْ مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ لَا عَاصِمَ إِلَّا الرَّاحِمُ، وَأَنْ يَكُونَ عَاصِمَ بِمَعْنَى ذِي عِصْمَةٍ، كَمَا قَالُوا لَابِنٌ أَيْ: ذُو لَبَنٍ، وَذُو عِصْمَةٍ، مُطْلَقٌ عَلَى عَاصِمٍ وَعَلَى مَعْصُومٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَعْصُومُ. أَوْ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ (عَاصِم) بِمَعْنَى مَعْصُومٍ، كَمَاءٍ دَافِقٍ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
بَطِيءُ القيام رخيم الكلام ... أمي فُؤَادِي بِهِ فَاتِنًا
أي مفتونا.
ومن لِلْمَعْصُومِ أَيْ: لَا ذَا عِصْمَةٍ، أَوْ لَا مَعْصُومَ إِلَّا الْمَرْحُومُ. وَعَلَى هَذَيْنِ التَّجْوِيزَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّصِلًا بِطَرِيقٍ أُخْرَى: وَهُوَ حَذْفُ مُضَافٍ وَقَدَّرَهُ: لَا يَعْصِمُكَ الْيَوْمَ مُعْتَصَمٌ قَطُّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ سِوَى مُعْتَصَمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَكَانُ مَنْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَنَجَّاهُمْ، يَعْنِي فِي السَّفِينَةِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَبَرَ (لَا عَاصِمَ) مَحْذُوفٌ، لِأَنَّهُ إِذَا عُلِمَ كَهَذَا الْمَوْضِعِ الْتَزَمَ حَذْفَهُ بَنُو تَمِيمٍ، وَكَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) قَالَ لَهُ نُوحٌ: (لَا عَاصِمَ) أَيْ لَا عَاصِمَ مَوْجُودٌ.
وقرئ (إِلَّا مَنْ رُحِمَ) بِضَمِّ الرَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ فَتَحُوا الرَّاءَ هُوَ الْمَرْحُومُ لَا الرَّاحِمُ.
(وَحَالَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ.
قِيلَ: كَانَا يَتَرَاجَعَانِ الْكَلَامَ، فَمَا اسْتَتَمَّتِ الْمُرَاجَعَةُ حَتَّى جَاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فَالْتَقَمَتْهُ وَفَرَسَهُ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ وَالْجَبَلِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ.