فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 4059

{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)}

الْخِطَابُ قِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: لِلْكَافِرِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ.

وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ النَّفْيُ أَيْ: مَا يُعَذِّبُكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ، لِأَنَّ الْعَذَابَ إِنَّمَا يَكُونُ لِشَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ أَوْ يَنْدَفِعُ ضُرُّهُ عَنِ الْمُعَذَّبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عِقَابُهُ الْمُسِيءَ لِأَمْرٍ قَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ تَعَالَى، فَمَنْ شَكَرَهُ وَآمَنَ بِهِ لَا يُعَذِّبُهُ.

ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّكْرِ هُنَا تَوْحِيدُ اللَّهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) لِمَ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلَى الْإِيمَانِ؟

(قُلْتُ) لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَنْظُرُ إِلَى مَا عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ فِي خَلْقِهِ وَتَعْرِيضِهِ لِلْمَنَافِعِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، فَإِذَا انْتَهَى بِهِ النَّظَرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُؤْمِنِ بِهِ الْمُنَعَّمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكَانَ الشُّكْرُ مُتَقَّدِمًا عَلَى الْإِيمَانِ، وَكَانَ أَصْلَ التَّكْلِيفِ وَمَدَارَهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّكْرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُقْتَرِنًا بِالْإِيمَانِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْإِيمَانَ تَأْكِيدًا وَتَنْبِيهًا عَلَى جَلَالَةِ مَوْقِعِهِ انْتَهَى.

وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَيْ: إِنْ آمَنْتُمْ وَشَكَرْتُمْ.

(وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا شَاكِرًا)

أَيْ: مُثِيبًا مُوفِيًا أُجُورَكُمْ.

وَأَتَى بِصِفَةِ الشُّكْرِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ بِلَا مُبَالَغَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ يَتَقَبَّلُ وَلَوْ أَقَلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ، وَيُنَمِّيهِ (عَلِيمًا) بِشُكْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فَيُجَازِيكُمْ.

وَفِي قَوْلِهِ: (عَلِيمًا) تَحْذِيرٌ وَنَدْبٌ إِلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَقِيلَ: الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ إِدَامَةُ النِّعَمِ عَلَى الشَّاكِرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت