فهرس الكتاب

الصفحة 3834 من 4059

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ(88)}

فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبُوا مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوهَا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ فِي (عَلَيْهِ) عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ، وَكَانَ آكَدُ مَا حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ قَبْلَ مَا وَصَّاهُمْ بِهِ مِنْ تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ.

وَالضُّرُّ: الْهُزَالُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجُوعِ، وَالْبِضَاعَةُ كَانَتْ زُيُوفًا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَلِيلَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَاقِصَةٌ.

وَقِيلَ: كَانَتْ عَرُوضًا.

قِيلَ: كَانَتْ صُوفًا وَسَمْنًا.

وَقِيلَ: صَنَوْبَرًا وَحَبَّةَ الْخَضْرَاءِ وَهِيَ الْفُسْتُقُ.

وَقِيلَ: سَوِيقُ الْمُقْلِ وَالْأَقِطِ.

وَقِيلَ: قَدِيدُ وَحْشٍ.

وَقِيلَ: حِبَالًا وَأَعْدَالًا وَأَقْتَابًا، ثُمَّ الْتَمَسُوا مِنْهُ إِيفَاءَ الْكَيْلِ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ.

(وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) أَيْ: بِالْمُسَامَحَةِ وَالْإِغْمَاضِ عَنْ رَدَاءَةِ الْبِضَاعَةِ، أَوْ زِدْنَا عَلَى حَقِّنَا، فَسَمُّوا مَا هُوَ فَضْلٌ وَزِيَادَةٌ لَا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ.

قِيلَ: لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَقِيلَ: كَانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ تَمَسْكَنُوا لَهُ وَطَلَبُوا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ رَقَّ لَهُمْ وَمَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ.

وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) شَاهِدٌ لِذَلِكَ، لِذِكْرِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ انْتَهَى.

وَقِيلَ: كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً، وَلَكِنْ قَالُوهَا تَجَوُّزًا اسْتِعْطَافًا مِنْهُمْ لَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ سَاوَمْتَهُ فِي سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا، فَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَهَبَكَ، وَإِنَّمَا حَسُنَتْ مَعَهُ الْأَفْعَالُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْكَ إِلَى سَوْمِكَ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) أَمْرَ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ أَيْ: أَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا عَلَى أَبِيهِ.

وَقَالَ النَّقَّاشُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) هِيَ مِنَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي هِيَ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كَافِرًا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ.

وَلَوْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ فِي الْآخِرَةِ كُذِّبُوا، فَقَالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوهُ، وَهُمْ يَصِحُّ لَهُمْ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ.

وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ: مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَاسْتَعْطَفُوهُ، رَقَّ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا، فَشَرَعَ فِي كَشْفِ أَمْرِهِ إِلَيْهِمْ.

فَيُرْوَى أَنَّهُ حَسَرَ قِنَاعَهُ وَقَالَ لَهُمْ: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت