فهرس الكتاب

الصفحة 2553 من 4059

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) }

(لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ)

تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَمَعْنَى عَقَّدْتُمُ وَثَّقْتُمْ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ.

وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ وَأَبُو عُمَرَ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَأَبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِهَا، وَابْنُ ذَكْوَانَ بِأَلِفٍ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْقَافِ.

وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِمَا عَقَدَتِ الْأَيْمَانُ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْأَيْمَانِ فَالتَّشْدِيدُ إِمَّا لِلتَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمْعِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ نَحْوَ قَدَّرَ وَقَدَرَ، وَالتَّخْفِيفُ هُوَ الْأَصْلُ، وَبِالْأَلِفِ بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ نَحْوَ جَاوَزْتُ الشَّيْءَ وَجُزْتُهُ، وَقَاطَعْتُهُ وَقَطَعْتُهُ، أَيْ هَجَرْتُهُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ إِذَا حَنَثْتُمْ، فَحُذِفَ وَقْتُ الْمُؤَاخَذَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَوْ بِنِكْثِ مَا عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ انْتَهَى.

وَالْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ بِاللَّهِ أَوْ بِأَسْمَائِهِ أو صفاته.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِذَا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَمْ يَتِمَّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، وَفِي بَعْضِ الصِّفَاتِ تَفْصِيلٌ. وَخِلَافٌ ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ.

(فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)

الْكَفَّارَةُ الْفِعْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْخَطِيئَةَ أَيْ تَسْتُرُهَا.

وَ (مَسَاكِينُ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا أَوْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، والظاهر تعداد الْأَشْخَاصِ، فَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا لِكَفَّارَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وقال أبو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ، وَتَعَرَّضَتِ الْآيَةُ لِجِنْسِ مَا يُطْعَمُ مِنْهُ وَهُوَ (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ) وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِمِقْدَارِ مَا يُطْعَمُ كُلُّ وَاحِدٍ هَذَا الظَّاهِرُ، وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ

أَنَّ هَذَا التَّوَسُّطَ هُوَ فِي الْقَدْرِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ

وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، وَرَأَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ فِي الصِّنْفِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْأَسْوَدُ وَعُبَيْدَةُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْوَجْهُ أَنْ يُطْعِمَ بِلَفْظِ الْوَسَطِ الْقَدْرِ وَالصِّنْفِ انْتَهَى.

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ الرَّسُولِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ،

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْإِطْعَامُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَقْتًا وَاحِدًا يَسُدُّ بِهِ الْجَوْعَةَ، فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ أَجْزَأَهُ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ

وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَكَمُ وَالشَّافِعِيُّ: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْكَفَّارَةِ تَمْلِيكُ الطَّعَامِ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِدَامُ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَوْسَطُ مَا يُطْعَمُ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ وَالْخُبْزُ وَالزَّبِيبُ وَخَيْرُ مَا نُطْعِمُ أَهْلِينَا الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، وَعَنْ غَيْرِهِ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، وَأَحْسَنُهُ التَّمْرُ مَعَ الْخُبْزِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ قِفَارًا وَلَكِنْ بِإِدَامِ زَيْتٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ لَحْمٍ وَنَحْوِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاعَى مَا يُطْعِمُ أَهْلِيهِ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِهِ، أَيْ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ كُلُّ شَخْصٍ شَخْصَ أَهْلِهِ.

وَقِيلَ الْمُرَاعَى عَيْشُ الْبَلَدِ، فَالْمَعْنَى مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَيُّهَا النَّاسُ أَهْلِيكُمْ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ مَدِينَةٍ أَوْ صقع، ومِنْ أَوْسَطِ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثَانٍ لِإِطْعَامِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ عَشَرَةِ مَساكِينَ أَيْ طَعَامًا مِنْ أَوْسَطِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت