فهرس الكتاب

الصفحة 2632 من 4059

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)}

وتأمل لم خصت السماوات والأرض بخلق والظلمات والنور بجعل.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (جَعَلَ) يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى أَحْدَثَ وَأَنْشَأَ، كَقَوْلِهِ: (جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى صَيَّرَ كَقَوْلِهِ: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا)

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْجَعْلِ، أَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَفِي الْجَعْلِ مَعْنَى التَّصْيِيرِ كَإِنْشَاءٍ مِنْ شَيْءٍ أَوْ تَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا أَوْ نَقْلِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَمِنْ ذَلِكَ ... وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ لِأَنَّ الظُّلُمَاتِ مِنَ الْأَجْرَامِ الْمُتَكَاثِفَةِ وَالنُّورَ مِنَ النَّارِ وجعلناكم أَزْوَاجًا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا انْتَهَى.

وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ جَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ) لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَيِّرُوهُمْ إِنَاثًا، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى سَمَّى وَقَوْلُ الطَّبَرِيِّ جَعَلَ هُنَا هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ فِي طَرَفِ الْكَلَامِ كَمَا تَقُولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَجَعْلُ إِظْلَامِهَا وَإِنَارَتِهَا تَخْلِيطٌ، لِأَنَّ تِلْكَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ تَدْخُلُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَهَذِهِ الَّتِي فِي الْآيَةِ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ مَعْنًى وَاسْتِعْمَالًا وَنَاسَبَ عَطْفُ الصِّلَةِ الثَّانِيَةِ بِمُتَعَلّقِهَا مِنْ جَمْعِ الظُّلُمَاتِ وَإِفْرَادِ النُّورِ عَلَى الصِّلَةِ الأولى المتعلقة بجمع السماوات وَإِفْرَادِ الْأَرْضِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ الْكَلَامُ عَلَى جَمْعِ السماوات وَإِفْرَادِ الْأَرْضِ وَجَمْعِ الظُّلُمَاتِ وَإِفْرَادِ النُّورِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ هُنَا بِ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالْجُمْهُورُ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشِّرْكُ وَالنِّفَاقُ وَالْكُفْرُ وَالنُّورُ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْيَقِينُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: الكفر وَالْإِيمَانُ، وَهُوَ تَلْخِيصُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَدَلَّ لِهَذَا بِآيَةِ الْبَقَرَةِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: الْجَنَّةُ وَالنَّارُ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَأَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نُورٍ، وَالنَّارَ وَأَرْوَاحَ الْكَافِرِينَ مِنْ ظُلْمَةٍ، فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْكَمُ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ لِأَنَّهُمْ مِنَ النُّورِ خُلِقُوا، وَلِلْكَافِرِينَ بِالنَّارِ لِأَنَّهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ خُلِقُوا.

وَقِيلَ: الْأَجْسَادُ وَالْأَرْوَاحُ.

وَقِيلَ: شَهَوَاتُ النُّفُوسِ وَأَسْرَارُ الْقُلُوبِ.

وَقِيلَ: الْجَهْلُ وَالْعِلْمُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ حَقِيقَةُ الظُّلْمَةِ وَالنُّورِ، لِأَنَّ الزَّنَادِقَةَ كَانَتْ تَقُولُ: اللَّهُ يخلق الضوء وعلى شَيْءٍ حَسَنٍ، وَإِبْلِيسُ يَخْلُقُ الظُّلْمَةَ وَكُلَّ شَيْءٍ قَبِيحٍ فَأُنْزِلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا الْأَمْرَانِ الْمَحْسُوسَانِ وَهَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ.

وَالثَّانِي مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ قَبْلُ وَهُوَ مَجَازٌ.

وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَالْمَجَازِ مَعًا لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: لَيْسَتِ الظُّلْمَةُ عِبَارَةً عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضَادَّةٍ لِلنُّورِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا جَلَسَ اثْنَانِ بِقُرْبِ السِّرَاجِ وَآخَرُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، فَالْبَعِيدُ يَرَى الْقَرِيبَ وَيَرَى ذَلِكَ الْهَوَاءَ صَافِيًا مُضِيئًا وَالْقَرِيبُ لَا يَرَى الْبَعِيدَ. وَيَرَى ذَلِكَ الْهَوَاءَ مُظْلِمًا، فَلَوْ كَانَتِ الظُّلْمَةُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً لَكَانَتْ حَاصِلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: عَدَمُ الْمُحْدَثَاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وُجُودِهَا فَالظُّلْمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ فِي التَّحْقِيقِ عَلَى النُّورِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ مَا

رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ الْإِلَهِيَّةِ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ.

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمُ النُّورَ، فَمَنْ أَصَابَهُ يَوْمَئِذٍ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَ ضل» . انْتَهَى.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ: قَوْلُهُ فِي الظُّلْمَةِ خَطَأٌ بَلْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضَادَّةٍ لِلنُّورِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) وَالْعَدَمُ لَا يُقَالُ فِيهِ جَعَلَ ثُمَّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَصْلُهَا لِلْمُهْلَةِ فِي الزَّمَانِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ثُمَّ) دَالَّةٌ عَلَى قُبْحِ فِعِلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ خَلْقَهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَغَيْرَهَا قَدْ تَقَرَّرَ وَآيَاتِهِ قَدْ سَطَعَتْ وَإِنْعَامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ قَدْ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ فَهَذَا كَمَا تَقُولُ: يَا فُلَانُ أَعْطَيْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكَ، ثُمَّ تَشْتُمُنِي أَيْ بَعْدَ وُضُوحِ هَذَا كُلِّهِ وَلَوْ وَقَعَ الْعَطْفُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ بِالْوَاوِ، لَمْ يَلْزَمِ التَّوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ (ثُمَّ) انْتَهَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَمَا مَعْنَى (ثُمَّ) ؟

(قُلْتُ) اسْتِبْعَادُ أَنْ يَعْدِلُوا بِهِ بَعْدَ وُضُوحِ آيَاتِ قُدْرَتِهِ وَكَذَلِكَ (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) اسْتِبْعَادُ لِأَنْ تَمْتَرُوا فِيهِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُحْيِيهِمْ وَمُمِيتُهُمْ وَبَاعِثُهُمُ انْتَهَى.

وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنْ أَنَّ (ثُمَّ) لِلتَّوْبِيخِ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّ (ثُمَّ) لِلِاسْتِبْعَادِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ (ثُمَّ) لَمْ تُوضَعْ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا التَّوْبِيخُ أَوِ الِاسْتِبْعَادُ مَفْهُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ لَا مِنْ مَدْلُولِ (ثُمَّ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَلْ (ثُمَّ) هُنَا لِلْمُهْلَةِ فِي الزَّمَانِ وَهِيَ عَاطِفَةٌ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلَى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْحَمْدَ لَهُ وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَمْدِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَهِيَ خلق السماوات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرِينَ بِهِ يَعْدِلُونَ فَلَا يَحْمَدُونَهُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإِنْ قُلْتَ) عَلَامَ عُطِفَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) .

(قُلْتُ) إِمَّا عَلَى قَوْلِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالْحَمْدِ عَلَى مَا خَلَقَ، لِأَنَّهُ مَا خَلَقَهُ إِلَّا نِعْمَةً (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ

والَّذِينَ كَفَرُوا الظَّاهِرُ فِيهِ الْعُمُومُ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَبْدَةُ الْأَصْنَامِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، عَبَدَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ وَالْيَهُودُ عُزَيْرًا وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَجُوسُ عَبَدُوا النَّارَ وَالْمَانَوِيَّةُ عَبَدُوا النُّورَ، وَمَنْ خَصَّصَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْمَانَوِيَّةِ كَقَتَادَةَ أَوْ بِعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ أَوْ بِالْمَجُوسِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَوْتُ مِنْ أَهْرَمَنْ وَالْحَيَاةُ مِنَ اللَّهِ، أَوْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ كَابْنِ أَبِي أَبْزَى فَلَا يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ.

وَالْبَاءُ فِي (بِرَبِّهِمْ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِ (يَعْدِلُونَ) وَتَكُونُ الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: يَعْدِلُونَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَخْلُقُ وَلَا يَقْدِرُ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ أَيْ: يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ فِي اتِّخَاذِهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَفِي الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَعَدْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ التَّسْوِيَةُ بِهِ، وَفِي الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرَّ مِنَ الْإِنْسَانِ فَعَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ فِي الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت