[سورة البقرة (2) آية 35]
اسْكُنْ، أَقِمْ، وَمَصْدَرُهُ السُّكْنَى كَالرُّجْعَى، وَالْمَعْنَى رَاجِعٌ إِلَى السُّكُونِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ. وَكَانَ السَّاكِنُ فِي الْمَكَانِ لِلُبْثِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ فِيهِ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَمَاكِنِ.
وَفَائِدَةُ النِّدَاءِ تَنْبِيهُ الْمَأْمُورِ له يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَتَحْرِيكُهُ لِمَا يُخَاطَبُ بِهِ، إِذْ هُوَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لَهَا الْبَالُ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ.
قَالُوا: وَمَعْنَى الْأَمْرِ هُنَا إِبَاحَةُ السُّكْنَى وَالْإِذْنُ فِيهَا، مِثْلُ: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، لأن الاستقرار فِي الْمَوَاضِعِ الطَّيِّبَةِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّعَبُّدِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَمْرُ وُجُوبٍ وَتَكْلِيفٍ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِسُكْنَى الْجَنَّةِ، وَبِأَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَنَهَاهُ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّكْنَى وَمَا بَعْدَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا هُوَ إِبَاحَةٌ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِجَمِيعِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى مَا هُوَ تَكْلِيفٌ، وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ تَنَاوُلِ مَا نُهِى عَنْهُ.
وَتَوَجُّهُ الْأَمْرِ بِالسُّكْنَى عَلَى زَوْجِ آدَمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ وَقْتِ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْأَسْمَاءَ وَأَنْبَأَهُمْ هُوَ إِيَّاهَا. نَامَ نَوْمَةً فَخُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَقْصَرِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أَنَّهَا خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّةَ. اسْتَوْحَشَ بَعْدَ لَعْنِ إِبْلِيسَ وَإِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ قَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَيْسَرِ، فَسَأَلَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: امْرَأَةٌ.
قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ، يَنْظُرُونَ مَبْلَغَ عِلْمِهِ: مَا اسْمُهَا؟ قَالَ: حَوَّاءُ.
قَالُوا: لَمْ سُمِّيَتْ حَوَّاءَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ.
(الْجَنَّةَ)
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: كَانَتْ فِي الْأَرْضِ.
قِيلَ: بِأَرْضِ عَدْنٍ. وَالْهُبُوطُ: الِانْتِقَالُ مِنْ بُقْعَةٍ إِلَى بُقْعَةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: (اهْبِطُوا مِصْرًا) ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَارَ الْخُلْدِ لَمَا لَحِقَهُ الْغُرُورُ مِنْ إِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: (هَلْ أَدُلُّكَ) ، وَلِأَنَّ مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الْجَنَّةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) ، وَلِأَنَّ إِبْلِيسَ مَلْعُونٌ، فَلَا يَصِلُ إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ، وَلِأَنَّ دَارَ الثَّوَابَ لَا يَفْنَى نَعِيمُهَا لِقَوْلِهِ: (أُكُلُها دائِمٌ) ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ أَنْ يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم، وَلِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ نَقَلَهُ إِلَى السَّمَاءِ. وَلَوْ كَانَ نَقَلَهُ إِلَى السَّمَاءِ لَكَانَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: كَانَتْ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لِقَوْلِهِ: (اهْبِطُوا) ، ثُمَّ الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ كَانَ مِنْ تِلْكَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ الْأُولَى، وَالْهُبُوطُ الثَّانِي كَانَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ.
وَقَالَتِ الْجُمْهُورُ: هِيَ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ دَارُ الثَّوَابِ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي (الْجَنَّةِ) لَا تُفِيدُ الْعُمُومَ، لِأَنَّ سُكْنَى جَمِيعِ الْجِنَانِ مُحَالٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهَا إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالْمَعْهُودُ دَارُ الثَّوَابُ، وَلِأَنَّهُ
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي مَحَاجَّةِ آدَمَ مُوسَى فَقَالَ لَهُ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَشْقَيْتَ بَنِيكَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَلَمْ يُنَازِعْهُ آدَمُ فِي ذَلِكَ.
وَقِيلَ: هِيَ
السَّمَاءُ وَلَيْسَتْ دَارَ الثَّوَابِ، بَلْ هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ.
وَقِيلَ: فِي السَّمَاءِ جَنَّةٌ غَيْرُ دَارِ الثَّوَابِ وَغَيْرُ جَنَّةِ الْخُلْدِ. وَرُدَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بُسْتَانٌ فِي السَّمَاءِ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ فِي السَّمَاءِ بَسَاتِينَ غَيْرَ بَسَاتِينِ الْجَنَّةِ. وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا فِي الْأَرْضِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا) و (لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ) (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) .
وَقَدْ لَغَا إِبْلِيسُ فِيهَا وَكَذَبَ وَأَخْرَجَ مِنْهَا آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَارَ الْخُلْدِ لَمَا وَصَلَ إِلَيْهَا إِبْلِيسُ وَوَسْوَسَ لَهُمَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا، وَلِأَنَّ جَنَّةَ الْخُلْدِ دَارُ نَعِيمٍ وَرَاحَةٍ وَلَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ.
وَقَدْ تكلف آدَمُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَلِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ.
وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ الْكُفَّارِ الَّذِينَ طُرِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَتْ جنة الخلد لما دخلتها، وَلِأَنَّهَا مَحَلُّ تَطْهِيرٍ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا الْعِصْيَانُ وَالْمُخَالَفَةُ وَيَحِلَّ بِهَا غَيْرُ الْمُطَهَّرِينَ؟.
وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَاتِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الِاسْتِقْرَارِ وَالْخُلُودِ، لَا عَلَى دُخُولِهِمْ على سبيل المرور والجوار. فَقَدْ صَحَّ دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَنَّةَ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ وَفِي غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ رَآهَا فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ.
وَأَمَّا دُخُولُ إِبْلِيسَ إِلَيْهَا فدخول تسليط لا تَكْرِيمٍ، وَذَلِكَ إِنْ صَحَّ قَالُوا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ بَلْ وَقَفَ عَلَى بَابِهَا وَكَلَّمَهُمَا، وَأَرَادَ الدُّخُولَ فَرَدَّتْهُ الْخَزَنَةُ.
وَقِيلَ: دَخَلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ مُسْتَتِرًا.
وَأَمَّا كَوْنُهَا لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ، فَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهَا لِلْإِقَامَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَالْجَزَاءِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَأَمَّا الدُّخُولُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْخُرُوجُ بِسَبَبِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ بَلْ لَا يَكُونُ خَالِيًا مِنْهُ.
(وَكُلا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لَهُمَا بَعْدَ وُجُودِ حَوَّاءَ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ لِلْمَعْدُومِ فِيهِ بُعْدٌ، إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ.