فهرس الكتاب

الصفحة 3006 من 4059

{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69)}

أَتَى هُنَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْإِنْذَارُ وَهُوَ التَّخْوِيفُ بِالْعَذَابِ وَاخْتَصَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْذَارِ مِنَ التَّقْوَى وَرَجَاءِ الرَّحْمَةِ.

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)

أَيْ سُكَّانَ الْأَرْضِ بَعْدَهُمْ، أَوْ جَعَلَكُمْ مُلُوكًا فِي الْأَرْضِ اسْتَخْلَفَكُمْ فِيهَا، وَتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ زَمَانِهِمْ مِنْ زَمَانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ (مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) .

(وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً)

ظَاهِرُ التَّوَارِيخِ أَنَّ الْبَسْطَةَ الِامْتِدَادُ وَالطُّولُ وَالْجَمَالُ فِي الصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ فَيُحْتَمَلُ إِذْ ذَاكَ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِينَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ وَزَادَكُمْ فِي خَلْقِكُمْ بَسْطَةً أَيْ مَدَّ وَطَوَّلَ وَحَسَّنَ خَلْقَكُمْ

قِيلَ: كَانَ أَقْصَرُهُمْ سِتِّينَ ذِرَاعًا وَأَطْوَلُهُمْ مِائَةَ ذِرَاعٍ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الْيَمَانِيُّ: سَبْعُونَ ذِرَاعًا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثَمَانُونَ ذِرَاعًا.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا.

وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ مِثْلَ الْقُبَّةِ الْعَظِيمَةِ وَعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيهَا الضِّبَاعُ وَكَذَلِكَ مِنْخَرُهُ وَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِينَ فَالْخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ أَوْ أَهْلُ زَمَانِهِمْ أَوِ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَقْوَالٌ.

وَقِيلَ: الزِّيَادَةُ فِي الْأجْرَامِ وَهِيَ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ يَدُ الْإِنْسَانِ إِذَا رَفَعَهَا.

وَقِيلَ الزِّيَادَةُ هِيَ فِي الْقُوَّةِ وَالْجَلَادَةِ لَا فِي الْإِجْرَامِ.

وَقِيلَ: زِيَادَةُ الْبَسْطَةِ كَوْنُهُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ مُشَارِكِينَ فِي الْقُوَّةِ مُتَنَاصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أَيِ اقْتِدَارًا فِي الْمَخْلُوقِينَ وَاسْتِيلَاءً.

(فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

ذَكَّرَهُمْ أَوَّلًا بِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ وَزَادَهُمْ بَسْطَةً وَذَكَّرَهُمْ ثَانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لَا بِتَقْيِيدِ زَمَانِ الْجَعْلِ.

و (اذكروا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَنَاسَوْا نِعَمَهُ بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلَى ذِكْرٍ مِنْكُمْ رَجَاءَ أَنْ تَفْلَحُوا وَتَعْلِيقُ رَجَاءِ الْفَلَاحِ عَلَى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَا يَظْهَرُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجَاءُ الْفَلَاحِ وَتَقْدِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ (أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) وَفِي ذِكْرِهِمْ آلاءَ اللَّهِ ذِكْرُ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَحِقِّ لِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَنَبْذِهِ مَا سِوَاهُ.

وَقِيلَ: اذْكُرُوا هُنَا بِمَعْنَى اشْكُرُوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت