فهرس الكتاب

الصفحة 3932 من 4059

{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1)}

وَفِي قَوْلِهِ: (أَنْزَلْنَاهُ) وَإِسْنَادِ الْإِنْزَالِ إِلَى نُونِ الْعَظَمَةِ وَمُخَاطَبَتِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ إِلَيْكَ، وإسناد الإخراج إليه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، تَنْوِيهٌ عظيم وتشريف لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم مِنْ حَيْثُ الْمُشَارَكَةُ فِي تَحْصِيلِ الْهِدَايَةِ بِإِنْزَالِهِ تَعَالَى، وَبِإِخْرَاجِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذْ هُوَ الدَّاعِي وَالْمُنْذِرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مُخْتَرِعُ الْهِدَايَةِ هُوَ اللَّهُ تعالى.

والناس عَامٌّ، إِذْ هُوَ مَبْعُوثٌ إِلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَالظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ مُسْتَعَارَانِ لِلْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ.

وَلَمَّا ذَكَرَ عِلَّةَ إِنْزَالِ الْكِتَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (لِتُخْرِجَ) قَالَ: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أَيْ: ذَلِكَ الْإِخْرَاجُ بِتَسْهِيلِ مَالِكِهِمُ النَّاظِرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، إِذْ هُمْ عَبِيدُهُ، فَنَاسَبَ ذِكْرَ الرَّبِّ هُنَا تَنْبِيهًا عَلَى مِنَّةِ الْمَالِكِ، وَكَوْنُهُ نَاظِرًا في حال عبيده.

و (بإذن) ظَاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ: (لِتُخْرِجَ) .

وَجَوَّزَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ قَالَ: أَيْ مَأْذُونًا لَكَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بِتَسْهِيلِهِ وَتَيْسِيرِهِ، مُسْتَعَارٌ مِنَ الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ تَسْهِيلُ الْحِجَابِ، وَذَلِكَ مَا يَمْنَحُهُمْ مِنَ اللُّطْفِ وَالتَّوْفِيقِ انْتَهَى.

وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِلَى صِرَاطِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ (إِلَى النُّورِ) وَلَا يَضُرُّ هَذَا الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَالْبَدَلِ، لِأَنَّ (بِإِذْنِ) مَعْمُولٌ لِلْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ (لِتُخْرِجَ) .

وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ (إِلَى صِرَاطِ) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِلَى أَيِّ نُورٍ، فَقِيلَ: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

وقرئ: (لِيَخْرُجَ) مُضَارِعُ خَرَجَ بِالْيَاءِ بنقطتين من تحتها، والناس رُفِعَ بِهِ.

وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (إِلَى النُّورِ) فِيهِ إِبْهَامٌ مَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (إِلَى صِرَاطِ) .

وَلَمَّا تَقَدَّمَ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا إِسْنَادُ إِنْزَالِ هَذَا الْكِتَابِ إِلَيْهِ.

وَالثَّانِي إِخْرَاجُ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، نَاسَبَ ذِكْرُ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةَ الْعِزَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ وَالْغَلَبَةِ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنْزَالُ الْكِتَابِ، وَصِفَةُ الْحَمْدِ الْمُتَضَمِّنَةُ اسْتِحْقَاقِهِ الْحَمْدَ مِنْ حَيْثُ الْإِخْرَاجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، إِذِ الْهِدَايَةُ إِلَى الْإِيمَانِ هِيَ النِّعْمَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْحَمْدُ عَلَيْهَا وَالشُّكْرُ.

وَتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (الْعَزِيزِ) لِتَقَدُّمِ مَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَتَلِيهَا صِفَةُ (الْحَمِيدِ) لِتُلُوِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت