فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 4059

{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)}

وَ (سَيَقُولُ) ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَأَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ يَصْدُرُ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُتَقَدِّمَةً فِي النُّزُولِ عَلَى الْآيَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ الْأَمْرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، إِذْ هُوَ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ. وَلِتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلَى مَا يَرِدُ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَتَسْتَعِدَّ لَهُ، فَيَكُونُ أَقَلَّ تَأْثِيرًا مِنْهُ إِذَا فَاجَأَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ، وَلِيَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَعِدًّا لِمُنْكِرِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) .

وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ فِي التِّلَاوَةِ، مُتَأَخِّرَةٌ فِي النُّزُولِ، وَأَنَّهُ نَزَلَ قَوْلِهِ: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) الْآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَ: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ) .

نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا وَيُصَحِّحُهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمُ، الَّذِي خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: (سَيَقُولُ) أَنَّهُمْ مُسْتَمِرُّونَ على هذا القول، وإن كَانُوا قَدْ قَالُوهُ، فَحِكْمَةُ الِاسْتِقْبَالِ أَنَّهُمْ، كَمَا صَدَرَ عَنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَاضِي، فَهُمْ أَيْضًا يَقُولُونَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ وَضَعَ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الْمَاضِي. وَإِنَّ مَعْنَى سَيَقُولُ: قَالَ، كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ السِّينِ لِبُعْدِ الْمَجَازِ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ عَارِيًا مِنَ السِّينِ، لَقَرُبَ ذَلِكَ وَكَانَ يَكُونُ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ.

وَالسُّفَهَاءُ: الْيَهُودُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ قَالُوا: اشْتَاقَ مُحَمَّدُ إِلَى مَوْلِدِهِ، وَعَنْ قَرِيبٍ يَرْجِعُ إِلَى دِينِكُمْ، أَوِ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا: ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً بِالْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ جَرَى تَسْمِيَةُ الْمُنَافِقِينَ بِالسُّفَهَاءِ فِي قَوْلِهِ: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) أَوِ الطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ: وَخَصَّ بِقَوْلِهِ (مِنَ النَّاسِ) ، لِأَنَّ السَّفَهَ أَصْلُهُ الْخِفَّةُ، يُوصَفُ بِهِ الْجَمَادُ.

قَالُوا: ثَوْبٌ سَفِيهٌ، أَيْ خَفِيفُ النَّسْجِ وَالْهَلْهَلَةِ، وَرُمْحٌ سَفِيهٌ: أَيْ خَفِيفٌ سَرِيعُ النُّفُوذِ. وَيُوصَفُ بِهِ الْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ النَّاسِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ، لَاحْتَمَلَ النَّاسَ وَغَيْرَهُمْ، لِأَنَّ الْقَوْلَ يُنْسَبُ إِلَى النَّاسِ حَقِيقَةً، وإلى غيرهم مجازا، فَارْتَفَعَ الْمَجَازُ بِقَوْلِهِ: (مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ) أَيْ مَا صَرَفَهُمْ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ قِبْلَتِهِمْ. أَضَافَ الْقِبْلَةَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا اسْتَقْبَلُوهَا زَمَنًا طَوِيلًا، فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ.

وَفِي وَصْفِ الْقِبْلَةِ بِقَوْلِهِ: (الَّتِي كانُوا عَلَيْها) مَا يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ اسْتِقْبَالِهَا، وَدَيْمُومَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.

وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السنة بالقرآن، إِذْ صَلَاتُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْسَ فِيهَا قُرْآنٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهَا أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ النَّسْخَ بَدَاءٌ.

(قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)

الْأَمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يُبْطِلُ مَقَالَتَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ إِنْكَارَهُمْ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، يُكَلِّفُ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ مِنْهَا، وَأَنْ تُجْعَلَ قِبْلَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت