فهرس الكتاب

الصفحة 3892 من 4059

{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) }

رُوِيَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا سَجَدَ لِصَنَمِهِ كَانَ ظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ حِينَئِذٍ.

وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ: (وَالْإِيصَالُ) .

قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هُوَ مَصْدَرُ أَصْلٍ أَيْ: دَخَلَ فِي الْأَصِيلِ كَمَا تَقُولُ: أَصْبَحَ أَيْ دَخَلَ فِي الْإِصْبَاحِ.

وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ أَمْرٍ وَاضِحٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهُ أَحَدٌ، كَانَ جَوَابُهُ مِنَ السَّائِلِ، فَكَانَ السَّبْقُ إِلَيْهِ أَفْصَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ إِلَيْهِمْ وَأَسْرَعُ فِي قَطْعِهِمْ فِي انْتِظَارِ الْجَوَابِ مِنْهُمْ، إِذْ لَا جَوَابَ إِلَّا هَذَا الَّذِي وَقَعَتِ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ)

وَيَبْعُدُ مَا قَالَ مَكِّيٌّ مِنْ أَنَّهُمْ جهلوا الجواب فطلبوه من جِهَةِ السَّائِلِ فَأَعْلَمَهُمْ بِهِ السَّائِلُ، لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فَإِذَا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ منشئ السماوات وَالْأَرْضِ وَمُخْتَرِعَهَا هُوَ اللَّهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ: بِأَنَّهُمْ جَهِلُوا الْجَوَابَ فَطَلَبُوهُ مِنَ السَّائِلِ؟

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُلِ اللَّهُ حكاية لاعترافهم تأكيد لَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّ السماوات وَالْأَرْضِ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُ، كَقَوْلِهِ (قُلْ مَنْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سيقولون لله) وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْمُنَاظِرُ لِصَاحِبِهِ: أَهَذَا قَوْلُكَ؟ فَإِذَا قَالَ:

هَذَا قَوْلِي. قَالَ: هَذَا قَوْلُكَ، فَيَحْكِي إِقْرَارَهُ تَقْرِيرًا عَلَيْهِ وَاسْتِئْنَافًا مِنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَيَلْزَمُكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَيْتَ وَكَيْتَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَلْقِينًا أَيْ: إِنْ كَفُّوا عَنِ الْجَوَابِ فَلَقَّنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَتَلَقَّنُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُنْكِرُوهُ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكُفَّارِ مَنْ رب السماوات وَالْأَرْضِ؟ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ وَاسْتِنْطَاقٍ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا قُلِ: اللَّهُ، أَيْ هُوَ كَمَا قُلْتُمْ.

وَقِيلَ: فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا قُلِ: اللَّهُ، إِذْ لَا جَوَابَ غَيْرُ هَذَا انْتَهَى.

وَهُوَ تَلْخِيصُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ.

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أَجِبْ أَنْتَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ انْتَهَى.

وَاسْتَفْهَمَ بِقَوْلِهِ: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ) ؟ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ رَبُّ السماوات وَالْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَتَتْرُكُونَهُ، فَجَعَلْتُمْ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ مِنْ عِلْمِكُمْ وَإِقْرَارِكُمْ سَبَبًا لِلْإِشْرَاكِ.

ثُمَّ وَصَفَ تِلْكَ الْأَوْلِيَاءَ بِصِفَةِ الْعَجْزِ وَهِيَ كَوْنُهَا لَا تملك لأنفسها نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَمَنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعًا أَوْ ضَرًّا؟

ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ حَالَةَ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ، ثُمَّ حَالَةَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَأَبْرَزَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِلَّذِي يُبَادِرُ الْمُخَاطَبُ إِلَى الْجَوَابِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ بِقَوْلِهِ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ؟ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ عَنِ الْوَصْفَيْنِ الْقَائِمَيْنِ بِالْكَافِرِ وَهُوَ: الظُّلُمَاتُ، وَبِالْمُؤْمِنِ وَهُوَ النُّورُ.

وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي جَمْعِ الظُّلُمَاتِ وَإِفْرَادِ النُّورِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَأَبُو بَكْرٍ: (أَمْ هل يستوي) بِالْيَاءِ، وَالْجُمْهُورُ بِالتَّاءِ (أَمْ) فِي قَوْلِهِ: (أَمْ) هَلْ منقطعة تتقدر بِبَلْ؟ وَالْهَمْزَةُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ أَهَلْ تَسْتَوِي؟

ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ خِطَابِهِمْ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ غَائِبًا إِعْرَاضًا عَنْهُمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى تَوْبِيخِهِمْ فِي جَعْلِ شُرَكَاءَ لِلَّهِ، وَتَعْجِيبًا مِنْهُمْ، وَإِنْكَارًا عَلَيْهِمْ.

وَتَضَمَّنَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ التَّهَكُّمَ بِهِمْ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ وَمَا اتَّخَذُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ، وَجَعَلُوهُمْ شُرَكَاءَ لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ ذَرَّةٍ، وَلَا إِيجَادِ شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ الشركاء هُمْ خَالِقُونَ شَيْئًا حَتَّى يَسْتَحِقُّوا الْعِبَادَةَ، وَجَعْلَهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ أَيْ: جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ مَوْصُوفِينَ بِالْخَلْقِ مِثْلَ خَلْقِ اللَّهِ، فَتَشَابَهَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَيَعْبُدُونَهُمْ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ فِي الْعِبَادَةِ؟ (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ)

ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى فَقَالَ: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: مُوجِدُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَعْبُودَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا.

وَهُمْ أَيْضًا مُقِرُّونَ بذلك (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)

وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) دَاخِلًا تَحْتَ الأمر بقل، فَيَكُونُ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الواحد المنفرد بِالْأُلُوهِيَّةِ، الْقَهَّارُ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ.

وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ فِيهِ يُقَالُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ: الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْقَهْرِ. فَهُوَ تَعَالَى لَا يُغَالَبُ، وَمَا سِوَاهُ مَقْهُورٌ مَرْبُوبٌ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت