مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ التَّوْرَاةَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ، ذَكَرَ أَنَّهُ قَفَّاهُمْ بِعِيسَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَنْوِيهًا بِاسْمِهِ، وَتَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ الْيَهُودُ فِيهِ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُصَدِّقِي التَّوْرَاةِ.
وَمَعْنَى: قَفَّيْنَا، أَتَيْنَا بِهِ، يَقْفُو آثَارَهُمْ أَيْ يَتْبَعُهَا.
وَالضَّمِيرُ فِي (آثارهم) يعود على النبيين مِنْ قَوْلِهِ: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)
وَقِيلَ: عَلَى الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَفَّيْتُهُ مِثْلَ عَقِبْتُهُ إِذَا اتَّبَعْتَهُ، ثُمَّ يُقَالُ: قَفَّيْتُهُ بِفُلَانٍ وَعَقِبْتُهُ بِهِ، فَتُعَدِّيهِ إِلَى الثَّانِي بِزِيَادَةِ الْبَاءِ.
وَمَعْنَى: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهَا جَاءَتْ قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ.
وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا هُوَ بِكَوْنِهِ مُقِرًّا أَنَّهَا كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ حَقًّا وَاجِبٌ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّسْخِ، إِذْ شَرِيعَتُهُ مُغَايِرَةٌ لِبَعْضِ مَا فِيهَا.
(وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَقَفَّيْنَا) وَفِيهِ تَعْظِيمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ اللَّهَ آتَاهُ كِتَابًا إِلَهِيًّا.
وَالضَّمِيرُ فِي (يَدَيْهِ) عَائِدٌ عَلَى الْإِنْجِيلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ عِيسَى وَكِتَابَهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُمَا مُصَدِّقَانِ لِمَا تَقَدَّمَهُمَا مِنَ التَّوْرَاةِ، فَتَظَافَرَ عَلَى تَصْدِيقِهِ الْكَتَابُ الْإِلَهِيُّ الْمُنَزَّلُ، وَالنَّبِيُّ الْمُرْسَلُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ (فِيهِ هُدًى) أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ، وَتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْمِثْلِ وَالضِّدِّ، وَعَلَى الْإِرْشَادِ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى إِحْيَاءِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَالنُّورُ هُوَ مَا فِيهِ مِمَّا يُسْتَضَاءُ بِهِ إِذْ فِيهِ بَيَانُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلِهَا.
(وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)
قَرَأَ الضَّحَّاكُ: (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ) بِالرَّفْعِ، وَهُوَ هُدًى وَمَوْعِظَةٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ حَالًا مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ: (وَمُصَدِّقًا) جَعَلَهُ أَوَّلًا فِيهِ هُدًى وَنُورٌ، وَجَعَلَهُ ثَانِيًا هُدًى وَمَوْعِظَةً.
فَهُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْهُدَى، وَجَعَلَهُ هُدًى مُبَالَغَةً فِيهِ إِذْ كَانَ كِتَابُ الْإِنْجِيلِ مُبَشِّرًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدَّلَالَةُ مِنْهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ ظَاهِرَةٌ.
وَلَمَّا كَانَتْ أَشَدُّ وُجُوهِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ذَلِكَ، أَعَادَ اللَّهُ ذِكْرَ الْهُدَى تَقْرِيرًا وَبَيَانًا لِنُبُوَّةِ محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ، وَوَصَفَهُ بِالْمَوْعِظَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى نَصَائِحَ وَزَوَاجِرَ بَلِيغَةٍ، وَخَصَّصَهَا بِالْمُتَّقِينَ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) فَهُمُ الْمَقْصُودُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يُدْعَى وَيُوعَظُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَّقِينَ عَمًى وَحَسْرَةٌ.