هَذَا وَصْفٌ لِحَالِ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي دِينِهِمْ، أَيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقالوا: كفانا فضل الله، وَعَلَّقُوا آمَالَهُمْ بِمَا سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إِيَّاهُمْ، وَكَانَتْ رَغْبَتُهُمْ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ دَلِيلًا عَلَى انْتِقَالِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ إِلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضَا بِقَسْمِ اللَّهِ، وَالْإِقْرَارَ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.
وَقِيلَ: جَوَابُ (لَوْ) هُوَ قَوْلُهُ: (وَقَالُوا) عَلَى زِيَادَةِ الْوَاوِ، وَهُوَ قَوْلٌ كُوفِيٌّ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا أَصَابَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَطَابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُهُمْ، وَقَالُوا: كَفَانَا فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَصُنْعُهُ، وَحَسْبُنَا مَا قَسَمَ لَنَا سَيَرْزُقُنَا غَنِيمَةً أُخْرَى، فَسَيُؤْتِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِمَّا آتَانَا الْيَوْمَ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يُغَنِّمَنَا وَيُخَوِّلَنَا فَضْلَهُ رَاغِبُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَاغِبُونَ فِيمَا يَمْنَحُنَا مِنَ الثَّوَابِ وَيَصْرِفُ عَنَّا مِنَ الْعِقَابِ.
وَقَالَ التَّبْرِيزِيُّ: رَاغِبُونَ فِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلِهِ، فَيُغْنِينَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَقِيلَ: مَا آتَاهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْدِيرِ، وَرَسُولُهُ بِالْقَسْمِ انْتَهَى.
وَأَتَى أَوَّلًا بِمَقَامِ الرِّضَا وَهُوَ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَتَبِ وَالْخَطَأِ عَلِيمٌ بِالْعَوَاقِبِ، فَكُلُّ قَضَائِهِ صَوَابٌ وَحَقٌّ، لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ثَنَّى بِإِظْهَارِ آثَارِ الْوَصْفِ الْقَلْبِيِّ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، فَحَسْبُنَا مَا رَضِيَ بِهِ.
ثُمَّ أَتَى ثَالِثًا بِأَنَّهُ تَعَالَى مَا دَامُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَادٌّ لَهُمْ بِنِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَهُوَ إِخْبَارٌ حَسَنٌ إِذْ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَنِعَمُ اللَّهِ مُتَرَادِفَةٌ عَلَيْهِ حَالًا وَمَآلًا، إِمَّا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ أَتَى رَابِعًا بِالْجُمْلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ الِالْتِجَاءَ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَالرَّغْبَةَ إِلَيْهِ، فَلَا يُطْلَبُ بِالْإِيمَانِ أَخْذُ الْأَمْوَالِ وَالرِّئَاسَةِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ مُتَغَايِرَتَيْنِ وَهُمَا مَا تَضَمَّنَ الرِّضَا بِالْقَلْبِ، وَمَا تَضَمَّنَ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ، تَعَاطَفَتَا.
وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ مِنْ آثَارِ قَوْلِهِمْ: (حَسْبُنَا اللَّهُ) لَمْ تَتَعَاطَفَا، إِذْ هُمَا كَالشَّرْحِ لِقَوْلِهِمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ، فَلَا تَغَايُرَ بَيْنَهُمَا.