فهرس الكتاب

الصفحة 1241 من 4059

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(243)}

(وَهُمْ أُلُوفٌ)

فِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالتَّعَاضُدَ، وَإِنْ كَانَا نَافِعَيْنِ فِي دَفْعِ الْأَذِيَّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسَا بِمُغْنِيَيْنِ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ. وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَأُلُوفٌ جَمْعُ أَلْفٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، فَقِيلَ: سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: تِسْعُونَ.

وَقِيلَ: ثَمَانُونَ.

وَقَالَ عَطَاءٌ أَيْضًا سَبْعُونَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرْبَعُونَ.

وَقَالَ أَيْضًا: بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ.

وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: ثَلَاثُونَ، يَعْنُونَ أَلْفًا.

وَقَدْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ لِأَدْنَى الْعَدَدِ اسْتُعِيرَ لَفْظُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ لِلْجَمْعِ الْقَلِيلِ، فَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: عَشَرَةُ آلَافٍ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: ثَمَانِيَةٌ.

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: سَبْعَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: أَرْبَعَةٌ وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ.

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَوْلَى قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، لِأَنَّ أُلُوفًا جَمْعُ الْكَثِيرِ، وَلَا يُقَالُ لِمَا دُونَ الْعَشْرَةِ الْآلَافِ أُلُوفٌ. انْتَهَى.

وَهَذَا لَيْسَ كَمَا ذُكِرَ، فَقَدْ يُسْتَعَارُ أَحَدُ الْجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ اسْتِعْمَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضُوعِهِ.

وَهَذِهِ التَّقْدِيرَاتُ كُلُّهَا لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَفْظُ الْقُرْآنِ: وَهُمْ أُلُوفٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُرَادَ ظَاهِرُ جَمْعِ أَلْفٍ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ عَالَمٌ كَثِيرُونَ، لَا يَكَادُونَ يُحْصِيهِمْ عَادٌّ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (وَهُمْ أُلُوفٌ) كَمَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ: جِئْتُكَ أَلْفَ مَرَّةٍ، لَا تُرِيدُ حَقِيقَةَ الْعَدَدِ إِنَّمَا تُرِيدُ جِئْتُكَ مِرَارًا كَثِيرَةً لَا تَكَادُ تُحْصَى مِنْ كَثْرَتِهَا وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هُوَ الْمُنْزِلُ الْآلَافَ مِنْ جَوِّ نَاعِطٍ ... بَنِي أَسَدٍ حُزْنًا مِنَ الْأَرْضِ أَوْعَرَا

وَلَعَلَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ أُلُوفًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا آلَافًا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّكْثِيرَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُكَثِّرُ بِآلَافِ وَتَجْمَعُهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُمْ أُلُوفٌ، جَمْعُ أَلْفٍ الْعَدَدِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ تَكْرِيرُ مِائَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُلُوفٌ جَمْعُ أَلْفٍ. كَقَاعِدٍ وَقُعُودٍ.

أَيْ: خَرَجُوا وَهُمْ مُؤْتَلِفُونَ لَمْ يُخْرِجْهُمْ فُرْقَةُ قَوْمِهِمْ وَلَا فِتْنَةٌ بَيْنَهُمْ، بَلِ ائْتَلَفُوا، فَخَالَفَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ، فَخَرَجَتْ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ وَابْتِغَاءَ الْحَيَاةِ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ فِي مَنْجَاهُمْ بِزَعْمِهِمْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.

وَقَالَ الْقَاضِي: كَوْنُهُ جَمْعَ أَلْفٍ مِنَ الْعَدَدِ أَوْلَى، لِأَنَّ وُرُودَ الْمَوْتِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ تُفِيدُ مَزِيدَ اعْتِبَارٍ، وَأَمَّا وُرُودُهُ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَهُمُ ائْتِلَافٌ فَكَوُرُودِهِ وَبَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي أَنَّ وَجْهَ الِاعْتِبَارِ لَا يَتَغَيَّرُ.

(فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا)

ظَاهِرُهُ أَنَّ ثَمَّ قَوْلًا لِلَّهِ، فَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ.

وَقِيلَ: عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ.

وَحُكِيَ: أَنَّ مَلَكَيْنِ صَاحَا بِهِمْ: مُوتُوا، فَمَاتُوا.

وَقِيلَ: سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ فَتَوَفَّتْهُمْ.

وَقِيلَ: لَا قَوْلَ هُنَاكَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَابِلِيَّتِهِمُ الْمَوْتَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَوْتِهِمْ كَمَوْتَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى:

فَأَمَاتَهُمْ، لَكِنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّخْصِ الْمَأْمُورِ بِشَيْءٍ، الْمُسْرِعِ الِامْتِثَالَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَلَا امْتِنَاعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كُنْ فَيَكُونُ) .

وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَمَاتُوا، وَظَاهِرُ هَذَا الْمَوْتِ مُفَارَقَةُ الْأَرْوَاحِ الْأَجْسَادَ، فَقِيلَ: مَاتُوا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ بَعْدُ، بِدُعَاءِ حِزْقِيلَ وَقِيلَ: سَبْعَةُ أَيَّامٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الْقِصَصِ أَنَّهُ عَرِيَتْ عِظَامُهُمْ وَتَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعَادَةِ فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا الْمَوْتُ لَيْسَ بِمَوْتِ الْآجَالِ، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي هَؤُلَاءِ كَمَرَضٍ وَحَادِثٍ مِمَّا يَحْدُثُ عَلَى الْبَشَرِ، كَحَالِ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذَا.

ثُمَّ أَحْياهُمْ العطف بثم يَدُلُّ عَلَى تَرَاخِي الْإِحْيَاءِ عَنِ الْإِمَاتَةِ.

قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ لِيَسْتَوْفُوا آجَالَهُمْ.

وَظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَحْيَاهُمْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا قَوْمَ حِزْقِيلَ، فَخَرَجَ فَوَجَدَهُمْ مَوْتَى، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي جَعَلْتُ حَيَاتَهُمْ إِلَيْكَ، فَقَالَ لَهُمُ: احْيَوْا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّبِيُّ شَمْعُونُ، وَرِيحُ الْمَوْتَى تُوجَدُ فِي أَوْلَادِهِمْ.

وَقِيلَ: النَّبِيُّ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.

وَأَتَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بَيْنَ يَدَيِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وحثا على الجهاد وَالتَّعْرِيضِ لِلشَّهَادَةِ، وَإِعْلَامًا أَنْ لَا مَفَرَّ مِمَّا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا) وَاحْتِجَاجًا عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى بِإِنْبَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَا يَدْفَعُونَ صِحَّتَهُ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا، وَلَمْ يُدَارِسْ أَحَدًا، وَعَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ إِذْ مَنْ قَرَأَ الْكُتُبَ يُصَدِّقُهُ فِي إِخْبَارِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِمَّا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ.

(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)

أَكَّدَ هذه الجملة: بإنَّ، وَاللَّامِ، وَأَتَى الْخَبَرُ: لَذُو، الدَّالَّةُ عَلَى الشَّرَفِ، بِخِلَافِ صَاحِبٍ، وَ: النَّاسِ، هُنَا عَامٌّ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لِلَّهِ عَلَيْهِ فَضْلٌ أَيُّ فَضْلٍ، وَخُصُوصًا هُنَا، حَيْثُ نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا بِهِ يَسْتَبْصِرُونَ وَيَعْتَبِرُونَ عَلَى النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ عَقْلًا، كَائِنَةٌ بِإِخْبَارِهِ تَعَالَى: إِذْ أَعَادَ إِلَى الْأَجْسَامِ الْبَالِيَةِ الْمُشَاهَدَةِ بِالْعَيْنِ الْأَرْوَاحَ الْمُفَارِقَةَ، وَأَبْقَاهَا فِيهَا الْأَزْمَانَ الطَّوِيلَةَ إِلَى أَنْ قَبَضَهَا ثَانِيَةً، وَأَيُّ فَضْلٍ أَجَلُّ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ، إِذْ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ كُلِّيَّاتِ الْعَقَائِدِ الْمُنْجِيَةِ وَجُزْئِيَّاتِهَا: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: بالناس، هاهنا الْخُصُوصُ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ فَفَرُّوا مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، فَأَمَاتَهُمْ، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْيَاءِ وَطَوَّلَ لَهُمْ فِي الْحَيَاةِ لِيَسْتَيْقِنُوا أن لا مفر من الْقَدَرِ، وَيَسْتَدْرِكُوا مَا فَاتَهُمْ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا نَسْلُكَ مَسْلَكَهُمْ بَلْ نَمْتَثِلُ مَا يَأْمُرُ بِهِ تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت