فهرس الكتاب

الصفحة 1751 من 4059

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)}

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ هُوَ لِمَنْ وَقَعَ الْخِطَابُ لَهُ أَوَّلًا وَهُمْ: أَصْحَابُ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ بقوله: (أنّة إِلَى أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ أمة محمد صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالصَّحَابَةُ هُمْ خَيْرُهَا.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: الْخِطَابُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَيُؤَيِّدُ هذا التَّأْوِيلَ كَوْنُهُمْ شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ

وَقَوْلُهُ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ» الْحَدِيثُ

وَقَوْلُهُ: «نَحْنُ نُكَمِّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةٍ نَحْنُ آخِرُهَا وَخَيْرُهَا» .

وَظَاهِرُ (كَانَ) هُنَا أَنَّهَا الناقصة، و (خير أُمَّةٍ) هُوَ الْخَبَرُ.

وَلَا يُرَادُ بِهَا هُنَا الدَّلَالَةُ عَلَى مُضِيِّ الزَّمَانِ وَانْقِطَاعِ النِّسْبَةِ نَحْوِ قَوْلِكَ: كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا، بَلِ الْمُرَادُ دَوَامُ النِّسْبَةِ كَقَوْلِهِ: (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) وَكَوْنُ (كَانَ) تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَمُرَادِفُهُ لَمْ يَزَلْ قَوْلًا مَرْجُوحًا، بَلِ الْأَصَحُّ أَنَّهَا كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ تَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لَا يُرَادُ الِانْقِطَاعُ.

وَقِيلَ: كَانَ هُنَا بِمَعْنَى صَارَ، أَيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ.

وَقِيلَ: كَانَ هُنَا تَامَّةٌ، وَخَيْرُ أُمَّةٍ حَالٌ. وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ، لِأَنَّ الزَّائِدَةَ لَا تَكُونُ أَوَّلَ كَلَامٍ، وَلَا عَمَلَ لَهَا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانَ عِبَارَةً عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في من مَاضٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمٍ سَابِقٍ، وَلَا عَلَى انْقِطَاعٍ طَارِئٍ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا) .

وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) كَأَنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى: كُنْتُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ.

وَقِيلَ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

وَقِيلَ: فِيمَا أُخْبِرَ بِهِ الْأُمَمُ قَدِيمًا عَنْكُمْ.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ: كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا خَيْرَ أُمَّةٍ.

وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ. وَخَيْرٌ مُضَافٌ لِلنَّكِرَةِ، وَهِيَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَيَجِبُ إِفْرَادُهَا وَتَذْكِيرُهَا، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى جمع.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأُمَمَ إِذَا فُضِّلُوا أُمَّةً أُمَّةً كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَهَا. وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْخَيْرِيَّةِ فِي اللَّفْظِ وَهِيَ: سَبْقُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِدَارِهِمْ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَنَقْلِهِمْ عَنْهُ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ، وَافْتِتَاحِهِمُ الْبِلَادَ. وَهَذِهِ فَضَائِلُ اخْتُصُّوا بِهَا مَعَ مَا لَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُمْ حَسَنَةً فَلَهُمْ مِثْلُ أَجْرِهَا، لِأَنَّهُمْ سَبَبٌ فِي إِيجَادِهَا، إِذْ هُمُ الَّذِينَ سَنُّوهَا، وَأَوْضَحُوا طَرِيقَهَا

«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا» .

وَمَعْنَى أُخْرِجَتْ: أُظْهِرَتْ وَأُبْرِزَتْ، وَمُخْرِجُهَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُخْرِجَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ، أَيْ خَيْرُ أُمَّةٍ مُخْرَجَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَيْرِ أُمَّةٍ، فَتَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ مُخْرَجَةٌ.

وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَدْ رُوعِيَ هُنَا لَفْظُ الْغَيْبَةِ، وَلَمْ يُرَاعَ لَفْظُ الْخِطَابِ.

وَهُمَا طَرِيقَانِ لِلْعَرَبِ، إِذَا تَقَدَّمَ ضَمِيرٌ حَاضِرٌ لِمُتَكَلِّمٍ أَوْ مُخَاطَبٌ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ خَبَرُهُ اسْمًا، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا، فَتَارَةً يُرَاعَى حَالُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الصَّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلَى حَسَبِ الضَّمِيرِ فَتَقُولُ: أَنَا رَجُلٌ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ.

وَمِنْهُ (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) و (إنك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ)

وَأَنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأَتْ لَكَ لِحْيَةٌ ... كَأَنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ فِي جَوَالِقِ

وَتَارَةً يُرَاعَى حَالُ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الصَّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلَى حَسَبِهِ مِنَ الْغَيْبَةِ.

فَتَقُولُ: أَنَا رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ.

وَمِنْهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ، وَلَوْ جَاءَ أُخْرِجْتُمْ فَيُرَاعَى ضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي (كُنْتُمْ) لَكَانَ عَرَبِيًّا فَصِيحًا.

وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ صِفَةً لِأُمَّةٍ، لَا لِخَيْرٍ لِتُنَاسِبَ الْخِطَابَ فِي كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ مَعَ الْخِطَابِ فِي تَأْمُرُونَ وَمَا بَعْدَهُ.

(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فِي الْخَيْرِيَّةِ، فَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كَمَا تَقُولُ: زيد كريم يطعم

النَّاسَ وَيَكْسُوهُمْ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَأْمُرُونَ وَمَا بَعْدَهُ أَحْوَالٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ انْتَهَى.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَالِاسْتِئْنَافُ أَمْكَنُ وَأَمْدَحُ.

وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ فِي أَنْ يَكُونَ تَأْمُرُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ كون نَعْتًا لِخَيْرِ أُمَّةٍ.

قِيلَ: وَقَدَّمَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَلَيْسَ الْمُؤَثِّرُ لِحُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، بَلِ الْمُؤَثِّرُ كَوْنُهُمْ أَقْوَى حَالًا في الأمر والنهي. وإن الْإِيمَانُ شَرْطٌ لِلتَّأْثِيرِ، لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَضُرَّ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَاتِ مُؤَثِّرًا فِي صِفَةِ الْخَيْرِيَّةِ، وَالْمُؤَثِّرُ أَلْصَقُ بِالْأَثَرِ مِنْ شَرْطِ التَّأْثِيرِ.

وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَنِ الْإِيمَانِ بِالنُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ انْتَهَى.

وَهُوَ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الرَّازِيِّ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ، مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ رَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ بَعْثٍ أَوْ حِسَابٍ أَوْ عِقَابٍ أَوْ ثَوَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِإِيمَانِهِ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْآيَةِ انْتَهَى.

وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ وَتُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ.

وَالظَّاهِرُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالْمُنْكَرِ الْعُمُومُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْرُوفُ الرَّسُولُ، وَالْمُنْكَرُ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْرُوفُ التَّوْحِيدُ، وَالْمُنْكَرُ الشِّرْكُ.

(وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ)

أَيْ وَلَوْ آمَنَ عَامَّتُهُمْ وَسَائِرُهُمْ. وَيَعْنِي الْإِيمَانَ التَّامَّ النَّافِعَ.

وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ آمَنَ كَمَا يَقُولُ: مَنْ صَدَّقَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، أَيْ لَكَانَ هُوَ، أَيِ الْإِيمَانُ.

وَعَلَّقَ كَيْنُونَةَ الْإِيمَانِ خَيْرًا لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ تَوْبِيخًا لَهُمْ مَقْرُونًا بِنُصْحِهِ تَعَالَى لَهُمْ أَنْ لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوَا أَنْفُسَهُمْ من عذاب الله.

و (خير) هُنَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وَالْمَعْنَى: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا هم عليه، لأنهم إنما آثَرُوا دِينَهُمْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ حُبًّا فِي الرِّئَاسَةِ وَاسْتِتْبَاعِ الْعَوَامِ، فَلَهُمْ فِي هذا حظ دُنْيَوِيٌّ. وَإِيمَانُهُمْ يَحْصُلُ بِهِ الْحَظُّ الدُّنْيَوِيُّ مِنْ كَوْنِهِمْ يَصِيرُونَ رُؤَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْحَظُّ الْأُخْرَوِيُّ الْجَزِيلُ بِمَا وَعَدُوهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ إِيتَائِهِمْ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَفْظَةُ (خَيْرٍ) صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وَلَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ فِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِمَا فِي لَفْظَةِ (خَيْرٍ) مِنَ الشِّيَاعِ وَتَشَعُّبِ الْوُجُوهِ، وَكَذَلِكَ هِيَ لَفْظَةُ أَفْضَلَ وَأَحَبَّ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَإِبْقَاؤُهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ أَوْلَى إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَمْكَنَ إِذِ الْخَيْرِيَّةُ مُطْلَقَةٌ فَتَحْصُلُ بِأَدْنَى مُشَارَكَةٍ.

(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ)

ظَاهِرُ اسْمِ الْفَاعِلِ التَّلَبُّسُ بِالْفِعْلِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ هُوَ مُلْتَبِسٌ بِالْإِيمَانِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأَخِيهِ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ. وَكَالنَّجَاشِيِّ، وَبَحِيرَا، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ النَّصَارَى إِذْ كَانُوا مُصَدِّقِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَعْدَهُ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ الْخُصُوصُ، أَيْ بَاقِي أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهَا الْإِيمَانُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ هُنَا الِاسْتِقْبَالُ. أَيْ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الْعُمُومُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) إِخْبَارًا بِمَغِيبٍ وَأَنَّهُ سَيَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمُ الْإِيمَانُ، وَلَا يَسْتَمِرُّونَ كُلُّهُمْ عَلَى الْكُفْرِ.

وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ.

وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (الْمُؤْمِنُونَ وَفِي الْفَاسِقُونَ) يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْكَمَالِ فِي الْوَصْفَيْنِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَبِالْقُرْآنِ فَهُوَ كَامِلٌ فِي إِيمَانِهِ، وَمَنْ كَذَّبَ بِكِتَابِهِ إِذْ لَمْ يَتْبَعُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَكَذَّبَ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ أَيْضًا كَامِلٌ فِي فِسْقِهِ مُتَمَرِّدٌ فِي كُفْرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت