وَالضَّمِيرُ فِي (لَهُ) عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ (دَعْوَةُ الْحَقِّ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دَعْوَةُ الْحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي مَعْنَاهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، دَعْوَةُ الْحَقِّ التَّوْحِيدُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، فَدُعَاؤُهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ.
وَقِيلَ: دَعْوَةُ الْحَقِّ دُعَاؤُهُ عِنْدَ الْخَوْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْعَى فِيهِ إِلَّا هُوَ، كَمَا قَالَ: (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ.
وَقِيلَ: دَعْوَةُ الطَّلَبِ الْحَقُّ أَيْ: مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، وَدُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ لَا يُجَابُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُضَافَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْبَاطِلِ، كَمَا تُضَافُ الكلمة إليه في قَوْلِهِ: «كَلِمَةُ الْحَقِّ» لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ مُلَابِسَةٌ لِلْحَقِّ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَأَنَّهَا بِمَعْزِلٍ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُدْعَى فَيَسْتَجِيبُ الدَّعْوَةَ، وَيُعْطِي الدَّاعِيَ سُؤْلَهُ إِنْ كَانَتْ مَصْلَحَةً لَهُ، فَكَانَتْ دَعْوَتُهُ مُلَابِسَةً لِلْحَقِّ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ الدُّعَاءُ، لِمَا فِي دَعْوَتِهِ مِنَ الْجَدْوَى وَالنَّفْعِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يُجْدِي دُعَاؤُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُضَافَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَعْنَى دَعْوَةِ الْمَدْعُوِّ الْحَقَّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ.
وَعَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُلُّ دُعَاءٍ إِلَيْهِ دَعْوَةُ الْحَقِّ انْتَهَى.
وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ مَآلَهُ إِلَى تَقْدِيرِ: لله دعوة الله، كَمَا تَقُولُ: لِزَيْدٍ دَعْوَةُ زَيْدٍ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ لَا يَصِحُّ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةُ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: لِلَّهِ الدَّعْوَةُ الْحَقِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ بَاطِلَةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الدَّعْوَةُ لَهُ هِيَ الدَّعْوَةُ الْحَقِّ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى جِدَالَ الْكُفَّارِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ جِدَالُهُمْ فِي إِثْبَاتِ آلِهَةٍ مَعَهُ، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَهُ الدَّعْوَةُ الْحَقِّ أَيْ: مَنْ يَدْعُو لَهُ فَدَعْوَتُهُ هِيَ الْحَقُّ، بِخِلَافِ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي جَادَلُوا فِي اللَّهِ لِأَجْلِهَا، فَإِنَّ دُعَاءَهَا بَاطِلٌ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ. فَقَالَ: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الْكُفَّارُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ طَلَبَاتِهِمْ إِلَّا اسْتِجَابَةً كَاسْتِجَابَةِ بَاسِطِ كَفَّيْهِ أَيْ: كَاسْتِجَابَةِ الْمَاءِ مِنْ بَسْطِ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ فَاهُ، وَالْمَاءُ جَمَادٌ لَا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ وَلَا بِعَطَشِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُجِيبَ دُعَاءَهُ وَيَبْلُغَ فَاهُ.
وَكَذَلِكَ مَا يَدْعُونَهُ جَمَادٌ لَا يَحِسُّ بِدُعَائِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ إِجَابَتَهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِهِمْ.
وَقِيلَ: شُبِّهُوا فِي قِلَّةِ جَدْوَى دُعَائِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ بِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَغْرِفَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ لِيَشْرَبَهُ، فَبَسَطَهُمَا نَاشِرًا أَصَابِعَهُ فَلَمْ تُبْقِ كَفَّاهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْلُغْ طَلَبَتُهُ مِنْ شُرْبِهِ انْتَهَى.
فَالضَّمِيرُ فِي (يَدْعُونَ) عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالْعَائِدُ عَلَى الَّذِينَ مَحْذُوفٌ أَيْ: يَدْعُونَهُمْ.
وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فِي (تَدْعُونَ) وَهِيَ قِرَاءَةُ الْيَزِيدِيِّ عَنْ أَبِي عمرو.
وَقِيلَ: الَّذِينَ أَيْ: الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَدْعُونَ، وَمَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ أَيْ: يَدْعُونَ الْأَصْنَامَ.
وَالْعَائِدُ عَلَى الَّذِينَ الْوَاوُ فِي (يَدْعُونَ) وَالْوَاوُ فِي (لَا يَسْتَجِيبُونَ) عَائِدٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَفْعُولِ (يَدْعُونَ) الْمَحْذُوفِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الَّذِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالنَّاظِرِ إِلَى خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ يُرِيدُ تَنَاوُلَهُ، فَكَذَا الْمُحْتَاجُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ خَيَالُ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَمَنْ بَسَطَ يَدَيْهِ
إِلَى الْمَاءِ لِيَصِلَ إِلَيْهِ بِلَا اغْتِرَافٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ كَالْقَابِضِ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ.
قَالَ: وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ الْمَثَلَ فِي السَّاعِي فِيمَا لَا يُدْرِكُهُ بِالْقَابِضِ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فَأَصْبَحَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... مِنَ الْوُدِّ مِثْلَ الْقَابِضِ الْمَاءِ فِي الْيَدِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمُ ... كَقَابِضِ مَاءٍ لَمْ تَسَعْهُ أَنَامِلُهُ
وَقِيلَ: شَبَّهُ الْكُفَّارَ فِي دُعَائِهِمْ لِأَصْنَامِهِمْ عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ بِرَجُلٍ عَطْشَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، جَلَسَ عَلَى شَفِيرِ بِئْرٍ يَدْعُو الْمَاءَ لِيَبُلَّ غَلَّتَهُ، فَلَا هُوَ يَبْلُغُ قَعْرَ الْبِئْرِ إِلَى الْمَاءِ، وَلَا الْمَاءُ يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ جَمَادٌ وَلَا يَحِسُّ بِعَطَشِهِ وَدُعَائِهِ، كَذَلِكَ مَا يَدْعُو الْكُفَّارُ مِنَ الْأَوْثَانِ جَمَادٌ لَا يَحِسُّ بِدُعَائِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ إِجَابَتَهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِهِمْ انْتَهَى.
وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ: مثل اسْتِجَابَةٍ، وَاسْتِجَابَةٌ مُضَافَةٌ فِي التَّقْدِيرِ إِلَى بَاسِطٍ، وَهِيَ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ.
وَفَاعِلُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَإِجَابَةِ الْمَاءِ مَنْ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا حُذِفَ أُظْهِرَ فِي قَوْلِهِ: (إِلَى الْمَاءِ) وَلَوْ كَانَ مَلْفُوظًا بِهِ لَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ، فَكَانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ. هَذَا الَّذِي يُقَدَّرُ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي هَذَا التَّشْبِيهِ، وَتَبِعَهُ أَبُو الْبَقَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي يَدْعُونَهُمُ الْكُفَّارُ إِلَى حَوَائِجِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ لَا يُجِيبُونَ، ثُمَّ مَثَّلَ تَعَالَى مِثَالًا لِإِجَابَتِهِمْ بِالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ، فَهُوَ لَا يَبْلُغُ فَمَهُ أَبَدًا، فَكَذَلِكَ إِجَابَةُ هَؤُلَاءِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِمْ لَا يَقَعُ انْتَهَى.
وَفَاعِلُ (لِيَبْلُغَ) ضَمِيرُ الْمَاءِ، وليبلغ متعلق بباسط، وَمَا هُوَ أَيْ: وَمَا الْمَاءُ بِبَالِغِهِ، أَيْ: بِبَالِغِ الْفَمِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرُ الْفَمِ، وَالْهَاءُ فِي (بِبَالِغِهِ) لِلْمَاءِ أَيْ: وَمَا الْفَمُ بِبَالِغِ الْمَاءِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَبْلُغُ الْآخَرَ عَلَى هَذِهِ الحالة.
وقرئ: (كَبَاسِطٍ كَفَّيْهِ) بِتَنْوِينِ بَاسِطٍ.
(وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)
أَيْ: فِي حَيْرَةٍ، أَوْ فِي اضْمِحْلَالٍ، لِأَنَّهُ لَا يُجْدِي شَيْئًا وَلَا يُفِيدُ، فَقَدْ ضَلَّ ذَلِكَ الدُّعَاءُ عَنْهُمْ كَمَا ضَلَّ الْمَدْعُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا) .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِلَّا فِي ضَيَاعٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ إِنْ دَعَوُا اللَّهَ لَمْ يُجِبْهُمْ، وَإِنْ دعوا الآلهة لم نستطع إِجَابَتَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْوَاتُ الْكَافِرِينَ مَحْجُوبَةٌ عَنِ الله فلا يسمع دعاءهم.