فهرس الكتاب

الصفحة 3882 من 4059

{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) }

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمُعَقِّبَاتُ عَلَى هَذَا حَرَسُ الرَّجُلِ وَجَلَاوِزَتُهُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ.

قَالَ: وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا فِي الرُّؤَسَاءِ الْكَافِرِينَ.

وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَجَمَاعَةٍ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ السُّلْطَانُ الْمُحْرَسُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.

وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ نَفَى تَقْرِيرَهُ لَا يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. انْتَهَى.

وحَذْفُ (لَا) [فِي جَوَابِ الْقَسَمٌ] بَعِيدٌ [1] .

قَالَ الَمَهَدَوِيُّ: وَمَنْ جَعَلَ الْمُعَقِّبَاتِ الْحَرَسَ فَالْمَعْنَى: يَحْفَظُونَهُ مِنَ اللَّهِ عَلَى ظَنِّهِ وَزَعْمِهِ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (لَهُ) عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: لِلَّهِ مُعَقِّبَاتٌ مَلَائِكَةٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَبْدِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَالْمُعَقِّبَاتُ عَلَى هَذَا الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ عَلَى الْعِبَادِ وَأَعْمَالِهِمْ، وَالْحَفَظَةُ لَهُمْ أَيْضًا.

وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (لَهُ) عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَرِيبٌ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: (يقولون لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفَظَةً مِنْ مُتَمَرِّدِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.

قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْآيَةُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَتْ فِي حِفْظِ اللَّهِ لَهُ مِنْ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ، وَعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ مِنَ الْقِصَّةِ الَّتِي سَنُشِيرُ إِلَيْهَا بَعْدُ فِي ذِكْرِ الصَّوَاعِقِ.

وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ هُوَ الْأَوْلَى الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ يُفَسَّرُ (وَيَقُولُ) لَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنِ اسْتَخْفَى بِاللَّيْلِ وَسَرَبَ بِالنَّهَارِ، مُسْتَوٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ شَيْءٌ، ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ لِذَلِكَ الْمَذْكُورِ مُعَقِّبَاتٍ: جَمَاعَاتٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَعْقُبُ فِي حِفْظِهِ وَكَلَاءَتِهِ.

وَمُعَقِّبٌ: وَزْنُهُ مُفَعِّلٌ، مِنْ عَقَّبَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ عَلَى عَقِبِ الْآخَرِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَعْقُبُ بَعْضًا، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَعْقُبُونَ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فَيَكْتُبُونَهُ.

وَالْمُعَقِّبَاتُ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ.

وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي مُعَقِّبَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ، فَيَكُونُ كَرِجْلٍ نَسَّابَةٍ.

وَقِيلَ: جَمْعُ مُعَقِّبَةٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الْأُخْرَى، جُمِعَتْ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَاتِ، وَمُعَقِّبَةٌ لَيْسَتْ جَمْعُ مُعَقِّبٍ كَمَا ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ.

وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الْمِنْبَرِ (لَهُ الْمَعَاقِبُ) وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ وإبراهيم.

وقال الزمخشري: وقرئ لَهُ مَعَاقِيبُ.

قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: هُوَ تَكْسِيرُ مُعْقِبٍ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ، كمطعم ومطاعيم، وَمُقْدِمٍ وَمَقَادِيمَ، وَكَانَ مُعَقِّبًا جَمْعٌ عَلَى مُعَاقَبَةٍ، ثُمَّ جُعِلَتِ الْيَاءُ فِي مَعَاقِيبَ عِوَضًا مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فِي مُعَاقَبَةٍ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعُ مُعَقِّبٍ أَوْ مُعَقِّبَةٍ، وَالْيَاءُ عِوَضٌ مِنْ حَذْفِ أَحَدِ الْقَافَيْنِ فِي التَّكْسِيرِ.

وقرئ (لَهُ مُعْتَقِبَاتٌ) مِنِ اعْتَقَبَ.

وَقَرَأَ أُبَيٌّ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ له مُعَقِّبَاتٌ مِنْ خَلْفِهِ، وَرَقِيبٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.

وَيَنْبَغِي حمل هذه القراآت عَلَى التَّفْسِيرِ، لَا أَنَّهَا قُرْآنٌ لِمُخَالَفَتِهَا سَوَادَ الْمُصْحَفِ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) مُتَعَلّقٌ بِقَوْلِهِ: (يَحْفَظُونَهُ) .

قِيلَ: (مِنْ) لِلسَّبَبِ كَقَوْلِكَ: كَسَرْتُهُ مِنْ عُرًى، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الْبَاءِ سَوَاءٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَبِإِذْنِهِ، فَحِفْظُهُمْ إِيَّاهُ مُتَسَبَّبٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُمْ بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: يَكْتُبُونَ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ.

وَقِرَاءَةُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٌّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: (يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ) يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ السَّبَبِيَّةِ فِي (مِنْ) وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِحِفْظِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَتَادَةُ: مَعْنَى (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بِأَمْرِ اللَّهِ أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي التَّأْوِيلِ انْتَهَى.

وَلَيْسَ بِتَحَكُّمٍ وَوُرُودُ (مِنْ) لِلسَّبَبِ ثَابِتٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ.

وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ كَقَوْلِكَ: حَرَسْتُ زَيْدًا مِنَ الْأَسَدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي دُعَائِهِمْ أَنْ يُمْهِلَهُ رَجَاءَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ وَيُنِيبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) يَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى التَّضْمِينِ أَيْ: يَدْعُونَ لَهُ بِالْحِفْظِ مِنْ نَقَمَاتِ اللَّهِ رَجَاءَ تَوْبَتِهِ.

وَمَنْ جَعَلَ الْمُعَقِّبَاتِ الْحَرَسَ، وَجَعَلَهَا فِي رُؤَسَاءِ الْكُفَّارِ فَيَحْفَظُونَهُ مَعْنَاهُ: فِي زَعْمِهِ وَتَوَهُّمِهِ مِنْ هَلَاكِ الله، ويدفعون قَضَاءَهُ فِي ظَنِّهِ، وَذَلِكَ لِجَهَالَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّهَكُّمِ بِهِ، وَحَقِيقَةُ التَّهَكُّمِ هُوَ أَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُ مَثَلًا الثُّبُوتُ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مُنْتَصِفٌ، وَلِذَلِكَ حَمَلَ بعضهم (يحفظونه) عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: لَا يَحْفَظُونَهُ، فَحَذَفَ (لَا) .

وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي مِنْ تَكُونُ مُتَعَلّقَةً - كَمَا ذَكَرْنَا - بِيَحْفَظُونَهُ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيْ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِمَرْفُوعٍ، وَيَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: كَائِنَةٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِلَى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، بَلْ وُصِفَتِ الْمُعَقِّبَاتُ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ فِي الظَّاهِرِ:

أَحَدُهَا: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَيْ: كَائِنَةٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.

وَالثَّانِيَةُ: يَحْفَظُونَهُ أَيْ: حَافِظَاتٌ لَهُ.

وَالثَّالِثَةُ: كَوْنُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ جَعْلَنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَحْفَظُونَهُ) فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ مُعَقِّبَاتٌ وُصِفَتْ بِصِفَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.

وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أَيْ: كَائِنَةٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أنه بدئ بِالْوَصْفِ بِالْجُمْلَةِ قَبْلَ الْوَصْفِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فَصِيحٌ، وَكَانَ الْوَصْفُ بِالْجُمْلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الدَّيْمُومَةِ فِي الْحِفْظِ آكَدَ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْوَصْفَ بِهَا.

وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ فِي الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ عَلَيْنَا، وَفِي الْكَتَبَةِ مِنْهُمْ أَقْوَالًا عَنِ المنجمين وأصحاب الطلسمات، وَنَاسٍ سَمَّاهُمْ حُكَمَاءُ الْإِسْلَامِ يُوقِفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِهِ.

وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى إِحَاطَةَ عِلْمِهِ بِخَفَايَا الْأَشْيَاءِ وَجَلَايَاهَا، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُعَقِّبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لِضَبْطِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الصَّادِرُ مِنْهُمْ خَيْرًا وَشَرًّا، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مَا خَوَّلَهُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِحْسَانِ لَا يُزِيلُهُ عَنْهُمْ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ إِلَّا بِكُفْرِ تِلْكَ النِّعَمِ، وَإِهْمَالِ أَمْرِهِ بِالطَّاعَةِ، وَاسْتِبْدَالِهَا بِالْمَعْصِيَةِ. فَكَانَ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى لُزُومِ الطَّاعَةِ، وَتَحْذِيرٌ لِوَبَالِ الْمَعْصِيَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا يَقَعَ تَغَيُّرُ النِّعَمِ بِقَوْمٍ حَتَّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ مِنْهُمْ بِالْمَعَاصِي.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الموضع مؤول، لِأَنَّهُ صَحَّ الْخَبَرُ بِمَا قَدَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْ أَخْذِ الْعَامَّةِ بِذُنُوبِ الْخَاصَّةِ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ) الْآيَة.

وَسُؤَالُهُمْ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ»

فَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ إِمَّا مِنْهُمْ، وَإِمَّا مِنَ النَّاظِرِ لَهُمْ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ مِنْهُمْ تَسَبَّبَ، كَمَا غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُّمَاةِ مَا بِأَنْفُسِهِمْ، إِلَى غَيْرِ هَذَا فِي أَمْثَلِهِ الشَّرِيعَةِ.

فَلَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْزِلُ بِأَحَدٍ عُقُوبَةٌ إِلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِ الْغَيْرِ. وَثَمَّ أَيْضًا مَصَائِبُ يَزِيدُ اللَّهُ بِهَا أجر

الْمُصَابِ، فَتِلْكَ لَيْسَتْ تَغْيِيرًا انْتَهَى.

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ»

وَقِيلَ: هَذَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا ينزل بهم عذاب الاستئصال إِلَّا وَالْمَعْلُومُ مِنْهُمُ الْإِصْرَارُ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، إِلَّا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ، أَوْ فِي عَقِبِهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُنْزِلُ بِهِمْ عذاب الاستئصال.

و (ما) مَوْصُولَةٌ صِلَتُهَا بِقَوْمٍ، وَكَذَا (مَا بِأَنْفُسِهِمْ) .

وَفِي (مَا) إِبْهَامٌ لَا يَتَغَيَّرُ الْمُرَادُ مِنْهَا: إِلَّا بِسِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاعْتِقَادِ مَحْذُوفٍ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ نِعْمَةٍ وَخَيْرٍ إِلَى ضِدِّ ذَلِكَ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ إِلَى تَوَالِي معصيته.

والسوء يجمع على كُلَّ مَا يَسُوءُ مِنْ مَرَضٍ وَخَيْرٍ وَعَذَابٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاءِ.

وَلَمَّا كَانَ سِيَاقُ الْكَلَامِ فِي الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ اقْتَصَرَ على قوله: (سوء) وَإِلَّا فَالسُّوءُ وَالْخَيْرُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنْهَا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، فَذَكَرَ السُّوءَ مُبَالَغَةً فِي التَّخْوِيفِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: (مِنْ وال) من ملجأ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمَّنْ يَلِي أَمْرَهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ.

وَقِيلَ: مِنْ نَاصَرٍ يَمْنَعُ مِنْ عَذَابِهِ.

[1] قال السمين: وهذا ينبغي أن لا يُسْمَعَ ألبتَّة، كيف يَبْرُزُ كلامٌ موجَبٌ ويُراد به نفي؟ وحَذْفُ «لا» إنما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعاً في جوابِ قسمٍ نحو: {تَالله تَفْتَؤُاْ} [يوسف: 85] وقد تقدَّم تحريرُه. اهـ (الدر المصون. 7/ 28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت