{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) }
اسْتَفْعَلَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ، يَئِسَ وَاسْتَيْأَسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ نَحْوَ: سَخِرَ وَاسْتَسْخَرَ، وَعَجِبَ وَاسْتَعْجَبَ.
وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ زِيَادَةَ السِّينِ وَالتَّاءِ فِي الْمُبَالَغَةِ قَالَ: نَحْوَ مَا مَرَّ فِي (اسْتَعْصَمَ) انْتَهَى.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتَيْأَسُوا) اسْتَفْعَلُوا، مِنْ أَيِسَ مَقْلُوبًا مِنْ يَئِسَ، وَدَلِيلُ الْقَلْبِ كَوْنُ يَاءِ أَيِسَ لَمْ تَنْقَلِبَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا.
وَمَعْنَى (خَلَصُوا نَجِيًّا) انْفَرَدُوا مِنْ غَيْرِهِمْ يُنَاجِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَالنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ، كَالْخَلِيطِ وَالْعَشِيرِ.
وَمَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّنَاجِي كَمَا قِيلَ: النَّجْوَى بِمَعْنَى التَّنَاجِي، وَهُوَ لَفْظٌ يُوصَفُ بِهِ مَنْ لَهُ نَجْوًى وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً، مُؤَنَّثًا أَوْ مُذَكَّرًا، فَهُوَ كَعَدْلٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَنْجِيَةٍ قَالَ لَبِيَدٌ:
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَةَ الْأَفَاقَةِ عَالِيًا ... كَعْبِي وَأَرْدَافُ الْمُلُوكِ شُهُودُ
وَقَالَ آخَرُ:
إِنِّي إِذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ
وَيَقُولُ: قَوْمٌ نَجِيٌّ وَهُمْ نَجْوَى تَنْزِيلًا لِلْمَصْدَرِ مَنْزِلَةَ الْأَوْصَافِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُمْ نَجِيٌّ مِنْ بَابِ هُمْ صَدِيقٌ، لِأَنَّهُ بِزِنَةِ الْمَصَادِرِ مَحْصُوًّا لِلتَّنَاجِي، يَنْظُرُونَ مَاذَا يَقُولُونَ لِأَبِيهِمْ فِي شَأْنِ أَخِيهِمْ لِهَذَا الَّذِي دَهَمَهُمْ مِنَ الْخَطْبِ فِيهِ، فاحتاجوا إلى التشاور.
و (كبيرهم) أَيْ: رَأْيًا وَتَدْبِيرًا وَعِلْمًا، وَهُوَ شَمْعُونُ، أَوْ كَبِيرُهُمْ فِي السِّنِّ وَهُوَ رُوبِيلُ.
وَقِيلَ: فِي الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ، وَهُوَ يَهُوذَا.
ذَكَّرَهُمُ الْمِيثَاقَ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يحاط بكم)
و (ما) زَائِدَةٌ أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ.
وَ (بَرِحَ) التَّامَّةُ تَكُونُ بِمَعْنَى ذَهَبَ وَبِمَعْنَى ظَهَرَ، وَمِنْهُ بَرِحَ الْخَفَاءُ أَيْ ظَهَرَ.
وَعُنِيَ بِالْأَرْضِ أَرْضُ مِصْرَ الَّتِي فِيهَا الْوَاقِعَةُ، ثُمَّ غَيَّا ذَلِكَ بِغَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: خَاصَّةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ: (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) يَعْنِي فِي الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ: عَامَّةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ: (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) لِأَنَّ إِذْنَ اللَّهِ لَهُ هُوَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ لَهُ فِي مُفَارَقَةِ أَرْضِ مِصْرَ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ الْأَمْرَ بِالْغَايَةِ الْخَاصَّةِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَأَتَى بِغَايَةٍ عَامَّةٍ تَفْوِيضًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُجُوعًا إِلَى مَنْ لَهُ الْحُكْمُ حَقِيقَةً، وَمَقْصُودُهُ التَّضْيِيقُ عَلَى نَفْسِهِ، كَأَنَّهُ سَجَنَهَا فِي الْقُطْرِ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى سُخْطِ أَبِيهِ إِبْلَاءً لِعُذْرِهِ.
وَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعُذْرِ كَالْمَوْتِ، وَخَلَاصِ أَخِيهِ، أَوِ انْتِصَافِهِ مِنْ أَخْذِ أَخِيهِ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
والظاهر أن (أو يَحَكُمَ) مَعْطُوفٌ عَلَى (يَأْذَنَ) .
وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ (أَنْ) بَعْدَ (أَوْ) فِي جَوَابِ النَّفْيِ، وَهُوَ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أَيْ: إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، كَقَوْلِكَ: لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تَقْضِينِي حَقِّي، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقْضِيَنِي، وَمَعْنَاهَا وَمَعْنَى الْغَايَةِ مُتَقَارِبَانِ.