قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: سَنَطْوِي أَعْمَارَهُمْ فِي اغْتِرَارٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْرَاجُ أَنْ تَدْرُجَ إِلَى الشَّيْءِ فِي خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا وَلَا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّاقِيَ وَالنَّازِلَ يَرْقَى وَيَنْزِلُ مِرْقَاةً مِرْقَاةً، وَمِنْهُ دَرَجَ الْكِتَابَ طَوَاهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَدَرَجَ الْقَوْمُ مَاتُوا بَعْضُهُمْ فِي إِثْرِ بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ أَنْ يُذِيقَهُمْ مِنْ بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يُتَابِعُهُمْ بِهِ وَلَا يُجَاهِرُهُمْ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ سَنَأْخُذُهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْتَحُ بَابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ وَيَرْكَنُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ عَلَى غِرَّتِهِمْ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ انْتَهَى.
وَمِنْهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إِذَا قَارَبَ بَيْنَ خُطَاهُ، وَالْمَعْنَى سَنَسْتَرِقُهُمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَدَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ وَالْإِمْهَالِ لَهُمْ حَتَّى يَغْتَرُّوا وَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَنَالُهُمْ عِقَابٌ.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ إِلَى الْعُقُوبَاتِ حَتَّى يَقَعُوا فِيهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا كَالْقَتْلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) سَنَسْتَدِينُهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى مَا يُهْلِكُهُمْ وَيُضَاعِفُ عِقَابَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُرَادُ بِهِمْ وَذَلِكَ أَنْ يُوَاتِرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِمَاكِهِمْ فِي الْغَيِّ فَكُلَّمَا جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ازْدَادُوا بَطَرًا وَجَدَّدُوا مَعْصِيَةً فَيَتَدَرَّجُونَ فِي الْمَعَاصِي بِسَبَبِ تَرَادُفِ النِّعَمِ ظَانِّينَ أَنَّ مُوَاتَرَةَ النِّعَمِ أَثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَتَقْرِيبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ خِذْلَانٌ مِنْهُ وَتَبْعِيدٌ فَهَذَا اسْتِدْرَاجُ اللَّهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ قِيلَ: بِالِاسْتِدْرَاجِ.
وَقِيلَ: بِالْهَلَاكِ.
وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ وَثَّابٍ: (سَيَسْتَدْرِجُهُمْ) بِالْيَاءِ فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الالتفات، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ التَّكْذِيبِ الْمَفْهُومِ مِنْ كَذَّبُوا أَيْ سَيَسْتَدْرِجُهُمْ هُوَ أَيِ التَّكْذِيبُ قَالَ الْأَعْشَى فِي الِاسْتِدْرَاجِ:
فَلَوْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثَمَانِينَ قَامَةً ... وَرُقِّيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
لَيَسْتَدْرِجَنْكَ الْقَوْلُ حَتَّى تَهُزَّهُ ... وَتَعْلَمَ أَنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحِمِ