أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمُ السَّابِقُ وَلَمَّا كَانَ الشَّاهِدَانِ لَهُمَا حَالَتَانِ: حَالَةٌ يُرْتَابُ فِيهَا إِذَا شَهِدَا، فَإِذْ ذَاكَ يُحْبَسَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَيَحْلِفَانِ الْيَمِينَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الْآيَةِ قُوبِلَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ بِقَوْلِهِ: (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها) أَيْ عَلَى مَا شَهِدَا حَقِيقَةً دُونَ إِنْكَارٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا كَذِبٍ، وَحَالَةٌ يُطَّلَعُ فِيهَا إِذَا شَهِدَا عَلَى إِثْمِهِمَا بِالشَّهَادَةِ وَكَذِبِهِمَا فِي الْحَلِفِ، فَإِذْ ذَاكَ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى أَيْمَانِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى شُهُودٍ آخَرِينَ فَعُمِلَ بِأَيْمَانِهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وَافْتِضَاحِهِمْ فِيهَا بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ قُوبِلَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) وَكَانَ الْعَطْفُ بِأَوْ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا لَمْ يَتَّضِحْ صِدْقُهُمَا لَا يَخْلُوَانِ مِنْ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِمَّا حُصُولُ رِيبَةٍ فِي شَهَادَتِهِمَا وَإِمَّا الِاطِّلَاعُ عَلَى خِيَانَتِهِمَا فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَطْفُ بِأَوِ الْمَوْضُوعَةِ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ فَالْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَوْ خَوْفِ رَدِّ الْأَيْمَانِ إِلَى غَيْرِهِمْ فَتَسْقُطُ أَيْمَانُهُمْ وَلَا تُقْبَلُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدَالَ هَذَا الصِّنْفِ فِيمَا عَسَى أَنْ يَنْزِلَ مِنَ النَّوَازِلِ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ التَّحْلِيفَ الْمُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَخَافُونَ الْفَضِيحَةَ وَرَدَّ الْيَمِينِ انْتَهَى.
وَقِيلَ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ فِي جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ.
وَقِيلَ إِلَى الْحَبْسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَطْ.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا)
أَيِ احْذَرُوا عِقَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَاتَّخِذُوا وِقَايَةً مِنْهُ بِأَنْ لَا تَخُونُوا وَلَا تَحْلِفُوا بِهِ كَاذِبِينَ وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْمَعُوا سَمَاعَ إِجَابَةٍ وَقَبُولٍ.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)
إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ حَرَّفَ الشَّهَادَةَ أَنَّهُ فَاسِقٌ خَارِجٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَاللَّهُ لَا يَهْدِيهِ إِلَّا إِذَا تَابَ، فَاللَّفْظُ عَامٌّ وَالْمَعْنَى اشْتِرَاطُ انْتِفَاءِ التَّوْبَةِ.