{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) }
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلَائِلَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَذَكَرَ مَا جَرَى بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الْخِلَافِ وَذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِيَتَأَسَّى بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ وَقِلَّةِ الِاتِّبَاعِ، وَلِيَعْلَمَ الْمَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَصَصُ عَاقِبَةَ مَنْ كَذَّبَ الْأَنْبِيَاءَ، وَمَا مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الْعِلْمِ بِهَذَا الْقَصَصِ وَهُوَ لَمْ يُطَالِعْ كِتَابًا وَلَا صَحِبَ عَالِمًا، وَأَنَّهَا طِبْقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي (عَلَيْهِمْ) عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
وَ (كَبُرَ) مَعْنَاهُ عَظُمَ مَقَامِي أَيْ: طُولُ مَقَامِي فِيكُمْ، أَوْ قِيَامِي لِلْوَعْظِ.
كَمَا يُحْكَى عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَعِظُ الْحَوَارِيِّينَ قَائِمًا لِيَرَوْهُ وَهُمْ قُعُودٌ، وَكَقِيَامِ الْخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ وَلِيَرَوْهُ، أَوْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى مَقَامِهِ وَالْمُرَادُ نَفْسُهُ كَمَا تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا لِمَكَانِ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأَجْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٌ ثَقِيلٌ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَمْ يُقْرَأْ هُنَا بِضَمِّ الْمِيمِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، بَلْ قَرَأَ (مُقَامِي) بِضَمِّ الْمِيمِ أَبُو مِجْلَزٍ وَأَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ.
وَالْمُقَامُ الْإِقَامَةُ بِالْمَكَانِ، وَالْمَقَامُ مَكَانُ الْقِيَامِ. وَالتَّذْكِيرُ وَعْظُهُ إِيَّاهُمْ وَزَجْرُهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ.
وَقِيلَ: الْجَوَابُ (فَعَلَى اللَّهِ توكلت) . و (فأجمعوا) مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَوَابِ، وَهُوَ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ دَائِمًا.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْجَوَابُ (فَأَجْمِعُوا) وَ (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) جُمْلَةُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَزَائِهِ كَقَوْلِهِ:
أَمَا تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ وَمَنْ يَكُنْ ... غَرَضًا لِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ يَنْحَلِ
فَلَرُبَّ أَبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بَادِنٍ ... ضَخْمٍ عَلَى ظَهْرِ الْجَوَادِ مُهَبَّلِ
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (فَأَجْمِعُوا) مِنْ أَجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ وَنَوَاهُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
وَقَالَ آخَرُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ ... هَلْ أَعْذَرْتَ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ
وَقَالَ أَبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أَجْمَعْتُ الْأَمْرَ أَفْصَحُ مِنْ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ:
أَجْمَعَ أَمْرَهُ جعله مجموعا بعد ما كَانَ مُتَفَرِّقًا.
قَالَ: وَتَفْرِقَتُهُ أَنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أَفْعَلُ كَذَا، وَمَرَّةً أَفْعَلُ كَذَا، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ أَيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ صَارَ بِمَعْنَى الْعَزْمِ حَتَّى وُصِلَ بِـ (عَلَى) ، فَقِيلَ: أَجْمَعْتُ عَلَى الْأَمْرِ أَيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ أَجْمَعْتُ الْأَمْرَ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْأَصْمَعِيُّ عَنْ نَافِعٍ، وَيَعْقُوبَ: بِخِلَافٍ عَنْهُ (فَاجْمَعُوا) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ جَمَعَ، وَ (شُرَكَاءَكُمْ) عَطْفٌ عَلَى أَمْرَكُمْ لِأَنَّهُ يُقَالُ: جمعت شُرَكَائِي، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: ذَوِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَجَرَى عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَا جَرَى عَلَى الْمُضَافِ، لَوْ ثَبَتَ قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ.
وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ: أَجْمَعْتُ الْأَمْرَ أَيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وَجَمَعْتُ الْأَمْوَالَ جَمِيعًا، فَكَانَ الْإِجْمَاعُ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْجَمْعُ فِي الْأَعْيَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مَكَانَ الْآخَرِ.
وَفِي التَّنْزِيلِ: (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) انْتَهَى.
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَعِيسَى بْنُ عمر، وسلام، ويعقوب فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: (وَشُرَكَاؤُكُمْ) بِالرَّفْعِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي (فَأَجْمِعُوا) وَقَدْ وَقَعَ الْفَصْلُ بِالْمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وَعَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَيْ:
وَشُرَكَاؤُكُمْ فَلْيُجْمِعُوا أَمْرَهُمْ.
وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: (وَشُرَكَائِكُمْ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي (أَمْرَكُمْ) أَيْ: وَأَمْرَ شُرَكَائِكُمْ فَحُذِفَ كَقَوْلِ الْآخَرِ:
أَكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نَارًا
أي وكل نار، فَحَذَفَ كُلَّ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالشُّرَكَاءِ الْأَنْدَادَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَضَافَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذْ هُمْ يَجْعَلُونَهُمْ شُرَكَاءَ بِزَعْمِهِمْ، وَأَسْنَدَ الْإِجْمَاعَ إِلَى الشُّرَكَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ) أَوْ يُرَادُ بِالشُّرَكَاءِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ هُنَا وُجُودُ كَيْدِهِمْ وَمَكْرِهِمْ، فَالتَّقْدِيرُ: لَا تَتْرُكُوا مِنْ أَمْرِكُمْ شَيْئًا إِلَّا أَحْضَرْتُمُوهُ انْتَهَى.
وَأَمْرُهُ إِيَّاهُمْ بِإِجْمَاعِ أَمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِهِمْ ثِقَةً بِمَا وَعَدَهُ رَبُّهُ مِنْ كِلَاءَتِهِ وَعِصْمَتِهِ.
(ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً)
أَيْ حَالُكُمْ مَعِي وَصُحْبَتُكُمْ لِي غَمًّا وَهَمًّا أَيْ: ثُمَّ أَهْلِكُونِي لِئَلَّا يَكُونَ عَيْشُكُمْ بِسَبَبِي غُصَّةً، وَحَالُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً.
وَالْغَمُّ وَالْغُمَّةُ كَالْكَرْبِ وَالْكُرْبَةِ.
قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ غَمَّ عَلَيْنَا الْهِلَالُ فَهُوَ مَغْمُومٌ إِذَا الْتُمِسَ فَلَمْ يُرَ.
وَقَالَ طرفة:
لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي وَلَا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ: إِنَّهُ لَفِي غُمَّةٍ مِنْ أَمْرِهِ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أمركم ظاهرا مكشوفا، وَحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي يُرَادُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ:
وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ. وَالْغُمَّةُ السُّتْرَةُ، مِنْ غَمَّهُ إِذَا سَتَرَهُ. وَمِنْهُ
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا غُمَّةَ فِي فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى»
أَيْ لَا تُسْتَرُ وَلَكِنْ يُجَاهَرُ بِهَا، يَعْنِي: وَلَا يَكُنْ قَصْدُكُمْ إِلَى إِهْلَاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكُمْ، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجَاهِرُونَ بِهِ انْتَهَى.
وَمَعْنَى (اقْضُوا إِلَيَّ) أَنْفِذُوا قَضَاءَكُمْ نَحْوِي، وَمَفْعُولُ (اقْضُوا) مَحْذُوفٌ أَيِ: اقْضُوا إِلَيَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ وَامْضُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ، وَاقْطَعُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَقَرَأَ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: (ثُمَّ أَفْضُوا) بِالْفَاءِ وَقَطْعِ الْأَلْفِ، أَيِ: انْتَهُوا إِلَيَّ بِشَرِّكُمْ مِنْ أَفْضَى بِكَذَا انْتَهَى إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَسْرِعُوا.
وَقِيلَ: مِنْ أَفْضَى إِذَا خَرَجَ إِلَى الْفَضَاءِ أَيْ: فَأَصْحِرُوا بِهِ إِلَيَّ وَأَبْرِزُوهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ:
أَبَى الضَّيْمَ وَالنُّعْمَانُ تحرق نَابَهُ ... عَلَيْهِ فَأَفْضَى وَالسُّيُوفُ مَعَاقِلُهْ
(وَلَا تُنْظِرُونِ)
أَيْ لَا تُؤَخِّرُونِ، وَالنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ.