فهرس الكتاب

الصفحة 3786 من 4059

{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39)}

لَمَّا ذَكَرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ تَلَطَّفَ فِي حُسْنِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى فَسَادِ مَا عَلَيْهِ قَوْمُ الْفَتَيَيْنِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَنَادَاهُمَا بَاسِمِ الصُّحْبَةِ فِي الْمَكَانِ الشَّاقِّ الَّذِي تَخْلُصُ فِيهِ الْمَوَدَّةُ وَتَتَمَخَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ.

وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: (يا صاحبي السِّجْنِ) أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ إِلَى الظَّرْفِ، وَالْمَعْنَى: يَا صَاحِبَيَّ فِي السِّجْنِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى شِبْهِ الْمَفْعُولِ كَأَنَّهُ قِيلَ: يَا سَاكِنَيِ السِّجْنِ، كَقَوْلِهِ أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ

ثُمَّ أَوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَى بُطْلَانِ مِلَّةِ قَوْمِهِمَا بِقَوْلِهِ: (أَأَرْبَابٌ) فَأَبْرَزَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ حَتَّى لَا تَنْفِرَ طِبَاعُهُمَا مِنَ الْمُفَاجَأَةِ بِالدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ. وَهَكَذَا الْوَجْهُ فِي مُحَاجَّةِ الْجَاهِلِ أَنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجَاجِ يَقْبَلُهَا، فَإِذَا قَبِلَهَا لَزِمَتْهُ عَنْهَا دَرَجَةٌ أُخْرَى فَوْقَهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى الْإِذْعَانِ بِالْحَقِّ.

وَقَابَلَ تَفَرُّقَ أَرْبَابِهِمْ بِالْوَاحِدِ، وَجَاءَ بِصِفَةِ الْقَهَّارِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَهُ هَذَا الْوَصْفُ الَّذِي مَعْنَاهُ الْغَلَبَةُ وَالْقُدْرَةُ التَّامَّةُ، وَإِعْلَامًا بِعُرُوِّ أَصْنَامِهِمْ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ إِلَّا الْمُتَّصِفُ بِهِ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَصْنَامَ جَمَادٌ.

وَالْمَعْنَى: أَعِبَادَةُ أَرْبَابٍ مُتَكَاثِرَةٍ فِي الْعَدَدِ خَيْرٌ أَمْ عِبَادَةُ وَاحِدٍ قَهَّارٍ وَهُوَ اللَّهُ؟ فَمِنْ ضَرُورَةِ الْعَاقِلِ يَرَى خَيْرِيَّةَ عِبَادَتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت